التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 27 أغسطس, 2015
المشاهدات: 1٬757
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

إنه وكما كان الشك نتاج الجهل، فكذلك الحال حينما ينساق المرء ليعتقد ويجزم من دون أن يسلك الطريق الذي يجعل من اعتقاده وجزمه صدقاً وحقاً.

ثم، وكما كنا بحاجة إلى الطريق الذي يقودنا للخروج من الشك، فكذلك نحن بحاجة لتمييز الطريق الموصل إلى الاعتقاد والجزم الصادق والحق حتى لا نتهور بالاتباع والتقليد بغير علم.

ومضافا لذلك: فكما كان ولا زال الاعتقاد والجزم متابعة للمشهورات والمقبولات شرفا يزدان به أتباع الفرق والملل والأحزاب دون تردد، كذلك كان ولا زال الشك والرفض المطلق للجزم شرفاً يتسلح به أولو المعاناة من جهل الطريق ومرارة الاختلاف.

ولذلك، فها هو الصادق في طلب الحقيقة قد أضحى بين معسكرين كل يرى الشرف في سمته: معسكر يحثه على اتباع مشهوراته ومقبولاته وترك التردد، ومعسكر يدعوه لترك الجزم الاكتفاء بالشك.

ولا عجب ممن جهل طريق الحقيقة أن يكون منتمياً إلى أحد هذين المعسكرين، إذ الجاهل به إما أن يختار غيره، وإما أن يبقى بلا طريق، والأول جازم واهم والثاني شاك مغبون.

أما إذا عرف المرء طريق الحقيقة الموصل لها كما هي، دون تأثير مما هو غريب عنها؛ فإنه سيعرف أين يسوغ الجزم، وأين يسوغ الشك، ويعرف كيف تختلط الأمور وتزج بنا للجزم وهماً: فيميزها ويزنها، ويعرف كيف تتموه الأحكام وتجرفنا إلى الشك وهماً: فيجلوها ويتقنها.

وطريق هذا حاله ليس اختراعاً مبتدأ من هاوٍ، ولا تشريعاً مفروضاً من مستبد، بل هو طريقة العقل في الفهم والحكم، متى ما لم يخضع لمؤثرات من خارج الإنسان أو لمموهات من داخله، فلا تسترقه بيئته أو عواطفه، ولا يأسره خياله أو انفعاله.

طريق هذا حاله يأبى الشك ويأبى الخطأ، ليس لأن سالكه مأنوس به ولا لأنه أخذه عمن يحبه بل لأنه مبني على أساس ثابت وواقعي في نفسه يأبى الكذب والبطلان. هذا الأساس ليس إلا امتناع التناقض.

ولكن مهلاً….

قد تكون هاربا من ضجيج مطرقة ادعاء اليقين وامتلاك الحقيقة؛ لأنَّ فكرك قد تشظّى بسهام الإختلاف والتناحر من مدعي معرفة الصواب، فرأيت نتيجة لذلك أنَّ الركن الآمن ليس إلا بالكف عن الإدعاء، والرضا بالعجز عن نيل اليقين، فتصير كل الأفكار متساوية.

ولكن دعني أهمس في أذن وعيك وأبوح لك: بأنك لست تعمل بما ذكرت إلا في قسم خاص من المعارف، فأنت تقبل بالرياضيات علماً قارَّاً حساباً وهندسةً، وتقبل بالحقائق التجريبية قبولاً جاثماً على قبر الشك، ولست تقبل ذلك فيهما إلا لأنك تعرف طريقهما ومنهجهما، وما حداك إلى التخلي عن قبول اليقين فيما عداهما إلا الجهل بطريقه أو توهم عدم وجوده.

ولكن دعني أقول لك، وعليك أنت أنْ تكتشف صحة ما أقول، ولا تأخذ كلامي مصدراً للحق وإلا كنت أدعوك لمخالفة الطريق الذي أخبرك عنه، أقول لك أنَّ للاعتقاد الحق طريقاً سواء كان اعتقاداً رياضياً أو تجريبياً أو كان يتعلق بقضايا وجودك ومصيرك وسلوكك، فالطريق هو عينه لا يتعدد وإنما تتعدد تطبيقاته.

وإذا هالَك كمُّ الاختلاف، وكثرة الفِرَق فقف وانظر هل الاختلاف دليل امتناع المعرفة بالحق، أم هو دليل وجود الخطأ فقط، وتأمل قليلاً هل ادعاء كل المختلفين أنهم على صواب يقودك إلى عدم صحة أي ادعاء بنيل الصواب، أم يقودك فقط إلى أنه ليس كل مدع لشيء فهو مالك له؛ فتحرص نتيجة لذلك على ألا تكون واهماً في ادعائك نيل الحق وطريقه، بدل أنْ تتهور وترفض كل ادعاء بذلك.



займ на картукредит онлайн