التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 28 سبتمبر, 2014
المشاهدات: 2٬353
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

بعد أن أثبتنا العصمة والحجيَّة الذاتية للعقل البرهاني، وأنَّه أشرف مراتب العقل العام، الذي هو الحاكم المطلق في مملكة الإنسان، ثبتت حاكمية العقل البرهاني، وولايته المعرفية على سائر مراتب الأحكام العقليَّة الأخرى.

ولكن بعد أن أثبتنا محدوديته، وبيّنا حدوده الطبيعية، وحريم أحكامه الخاصة به، وتنقّحت منطقة الفراغ العقلي، يبقى السؤال حول كيفية إدارة العقل البرهاني لمنطقة الفراغ العقلي، والاستعانة بالأدوات المعرفية الأخرى لملأ هذه المنطقة بنحوٍ منطقي لا يتعارض مع أحكامه الذاتية، فنقول:

أوّلاً: بالنسبة إلى إدراك الجزئيات المتغيّرة من حيث هي متغيّرة، فيضعها العقل على عهدة الحسِّ الذي يكون على اتصال مباشر معها، وينقل الحسُّ عوارضها المادّية للذهن كما وقعت عليه، لينتزع منها العقل المعاني الكلية، كما سبق وأن ذكرنا

ثانياً: بالنسبة لإدراك أحكام الجزئيات المادية المتغيّرة من حيث هي ثابتة كلية، فيستعين فيه العقل بالتجربة، التى يمكن أن نعرّفها باختصارـ وكما سبق وأن أشرنا ـ : بأنَّها تكرار المشاهدات الحسِّية لصدور الأثر عن المؤثر تحت ظروف مختلفة؛ لإحراز التلازم الذاتي بين الأثر والمؤثر.

والتجربة، وإن كانت تعتمد على البديهيات العقليَّة الأولية في مبادئها، مثل: أصل امتناع اجتماع النقيضين، وأصل العلّية، وأصل أنَّ الاتفاقي لا يكون دائمياً ولا أكثرياً، إلَّا أنَّها لا ترقى إلى مستوى البرهان العقلي المحض، ولا تفيد إلَّا اليقين الكلي المشروط بكون موضوع الحكم ليس بأعمَّ من موضوع التجربة، وهو شرط عسير، يقول ابن سينا: (ولو كانت التجربة مع القياس الذي يصحبها تمنع أن يكون الموجود بالنظر التجريبي عن معنى أخص، لكانت التجربة وحدها توقع اليقين بالكلية المطلقة لا بالكلية المقيّدة فقط … فالحري أنَّ التجربة بما هي تجربة لا تفيد ذلك، فهذا هو الحق، ومن قال غير هذا فلم ينصف، أو هو ضعيف التمييز لا يفرّق بين ما يعسر الشك فيه لكثرة دلائله وجزئياته، وبين اليقين، فإنَّ هاهنا عقائد تشبه اليقين وليست باليقين)(2).

ومن أجل ذلك، فنحن هنا نخرجها عن حريم العقل البرهاني، ونضعها في موضعها الطبيعي المناسب لها.

ومن الجدير بالذكر، أنَّ حريم التجربة منحصر تبعاً لحدود الحسِّ في إدراك العوارض المادّية لا غير، ولا شأن لها ببواطن الأمور المادّية فضلاً عمّا وراء المادّة.

إذاً، فالحسُّ يفيد حكماً يقينياً جزئياً، والاستقراء الحسّي غير المقرون بالقياس العقلي البرهاني يفيد حكماً كلياً ظنياً، وأمَّا التجربة فتفيد حكماً كلياً يقينياً مشروطاً بالشرط المذكور، قال ابن سينا:(فالفرق بين المحسوس والمستقرأ والمجرَّب، أنَّ المحسوس لا يفيد رأياً كلياً البتة، وهذان قد يفيدان، والفرق بين المستقرأ والمجرَّب أنَّ المستقرأ لا يفيد كلية بشرط أو غير شرط، بل يوقع ظناً غالباً. اللّهمّ إلَّا أن يؤول إلى التجربة، والمجرَّب يوجب كلية بالشرط المذكور) (2) أي يقيناً كلياً مشروطاً.

ثالثاً: أمَّا القضايا الاعتبارية العملية، فيوكلها العقل البرهاني إلى نصوص الوحي الإلهي، الثابت منشؤه بالبرهان العقلي، تلك النصوص المشتملة على بيان مصاديق العدل من سائر الحقوق الفردية والاجتماعية، اللازمة لتحقيق العدالة الإنسانية، حيث يعجز العقل عن معرفة هذه الحقوق بنفسه.

وممَّا تجدر الإشارة إليه هنا، أنَّ هذه الأحكام الشرعية مع اعتباريتها ـ ولكن بناءً على حكمة جاعلها الذي ثبت وجوده وحكمته بالبرهان العقلي ـ هي تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية للإنسان، ولأنَّه تعالى مجده هو العالم بما خلق وصنع، فلا يأمر إلَّا بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلَّا عمّا فيه مفسدة.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أنَّ العقل البرهاني ـ بناءً على رؤيته الكونية الفلسفية المستقلة حول الإنسان والعالم والمبدأ والمعاد ـ يقوم بانتخاب الدين والمذهب والقراءة المطابقة له في المبادئ والأصول، ويرفض سائر الأديان والمذاهب والقراءات المخالفة له، وهذا معنى أصالة العقل المعرفيَّة وتقدُّمه على الدِّين.

ومن هنا تتجلي أيضاً الفلسفة الوجودية لما يسمّى بالنصوص الإرشادية المؤيّدة والموافقة للعقل الموجودة في النصوص الدينية الحقة، والتي هي بمثابة رسائل تطمينية للعقل بصحة منشئها الإلهي ومطابقتها للواقع.

كما ينبغي الإشارة بأنَّ العقل بعد اعتماده لهذه النصوص الدينية، يحتفظ لنفسه بحق الحاكمية والإشراف على فهم هذه النصوص بنحوٍ يمنع من تفسيرها بمخالفته، بل يجب تأويلها بما يوافق أو لا يخالف العقل، حيث إنَّ المشروعية المعرفية لتلك النصوص مأخوذة من العقل البرهاني، فتبقى ولايته عليها باقية على الدوام.

ومن هنا يتبيَّن مدى جهالة من يسعى لتقديم الدليل النقلي على الدليل العقلي البرهاني، زاعماً أنَّ النصَّ حكم إلهي، والعقل حكم بشري، كما يتوهم الأخباريون وإخوانهم من المتكلّمين والتفكيكيين، كما سنشير لاحقا، ولكن بعد ما بيّناه من مراتب الأحكام العقلية، فقد تبيّن أنَّ التعارض ليس بين العقل والدين، أو العقل والوحي، بل بين الدليل العقلي البرهاني والدليل العقلي غير البرهاني المسمَّى بالدليل النقلي، ومن البديهي أن يُقدّم الدليل البرهاني على غيره.

ـــــــــــــــ

(1) برهان الشفاء: ص97.

(2) المصدر السابق: ص98.

 

* رئيس أكاديمية الحكمة العقلية


  1. حمید - الإثنين, 8 يونيو 2015 في الساعة 11:21 ص

    وفقكم الله تعالي


займ на картукредит онлайн