التصنیف: عقلیّات, قصص معرفية
التاریخ: 9 أكتوبر, 2016
المشاهدات: 1٬887
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

باسمه تعالى

إنّ معرفة الإنسان نفسه لهو من أشرف وأهم المعارف الإنسانية، لأنّ هذه المعرفة تنعكس على رؤية الإنسان لفلسفة وجوده في هذا العالم، وبالتالي تعين نمط سلوكه في هذه الحياة.

وقد أثبت الحكماء في الفلسفة الإلهية أنّ الإنسان مركب من روح وبدن، وأنّ روحه التي سموها بالنفس الإنسانية مجردة عن المادة، وأنها تمثل حقيقة الإنسانية الباقية، وقد تعلقت بالبدن من أجل الاستكمال، حيث إنها قد جاءت إلى الدنيا خالية من أي كمال نظري أو عملي بالفعل، مع قدرتها على الاستكمال، فالبدن هو آلة استكمال الروح بالعلم والعمل.

فالجسم من الناحية النظرية يؤمّن للروح عن طريق الجوارح الخمس والمخ والأعصاب كل ماتحتاجه من المعلومات الحسية الأولية عن هذا العالم، حيث يتلقى العقل النظري الذي هو أشرف القوى الإنسانية المجردة هذه المعلومات بالتحليل والتركيب ليبني منظومته المعرفية الشاملة عن الحياة والوجود.

وأما من الناحية العملية فالنفس تكتسب ملكاتها الأخلاقية الفاضلة عن طريق أفعالها الاختيارية الحاصلة بالحركات الجسمية سواء كانت عبادات أو معاملات….ومن هنا كانت أهمية الجسم حيوية للنفس الإنسانية، حيث تصطحب معها بعد الموت كل كمالاتها المعرفية والأخلاقية لترسم مصيرها بعد ذلك في الاخرة.

ومن أجل العناية بالجسم فقد أودع الباري تعالى بحكمته غريزتين حيوانيتين من أجل حفظ الجسم من التلف، وهما القوة الشهوية الجالبة للنفع، حيث تدعوالإنسان إلى الغذاء والشراب والنكاح من أجل تأمين الاحتياجات المادية الضرورية للإنسان، وحفظ النسل البشري، والقوة الغضبية الدافعة للضرر حيث تدعوا الإنسان إلى الحذر والاحتياط ودفع الشرور والمخاطرعن نفسه، وبتالي فهما نعمتان من الله تعالى في أنفسهما.

ولكنهما من ناحية أخري هما يشكلان خطورة كبيرة على الإنسان، والمجتمع البشري بأكمله؛ لأنهما غير عاقلتين، ويدفعان الإنسان لتلبية رغباتهما بأي وسيلة ممكنة، حلالاً كانت أم حراما، مشروعة كانت أو غير مشروعة، ومن أجل ذلك فقد وضعهما الباري تعالى بلطفه وعنايته تحت إدارة العقل العملي الذي هو بمثابة الوزير للعقل النظري، ووظيفته الأساسية هي تدبير البدن وترشيد عمل هاتين القوتين الحيوانيتين بما ينسجم مع الأحكام العقلية والشرعية الصحيحة، أي مع الرؤية العقلية الواقعية.

فإذا استطاع العقل العملي أن ينجح في إدارة هذا الصراع الصعب والمرير، ويخضع تلك القوتين للعقل والدين، فقد نجح في تحقيق العدالة الإنسانية، وسار بّالإنسان على طريق الاعتدال والوسطية، وأصبح مصدرا للخير والبركة لسائر المجتمعات البشرية، وأمّا ـ لاقدر الله ـ لو فشل في هذا الصراع، واستسلم للغرائز الحيوانية، وأصبح أداة لتنفيذ رغباته الحيوانية المادية فسوف يخسر نفسه، ويظلمها، ويصبح وبالا على الإنسانية، وهذا هو الخسران المبين.

وهذا الصراع الداخلي الطويل والمرير بين العقل الإنساني وقواه الحيوانية، تنعكس نتائجه بشكل مستمر على الصراع الخارجي بين بني البشر في هذه الحياة.

فقد كان ومازال على مر التاريخ رموز صالحة شريفة تُشكل المظهر الخارجي للعقل الإنساني، وتمثل قوى الخير والعدالة، وهم الأنبياء والحكماء والأولياء والصالحين، ورموز فاسدة تشكل المظهر الخارجي للغرائز الحيوانية، وتمثل قوى الشر العالمي، وهم أئمة الظلم والضلال والسفسطة وأعوانهم واتباعهم.

وقد كان أبو الأحرارالإمام الحسين بن علي (ع) في زمانه يمثل المصداق الأعظم للعقل الكامل، والعدالة المطلقة، على حين كان يزيد ابن معاوية المصداق التام للسفاهة والظلم، وكان الصراع القائم بينهما هو في الواقع امتداد للصراع القديم بين آدم وإبليس، أو بين حزب الله وحزب الشيطان.

حزب الله الغالب دائما، وإن انهزم في الخارج، لأنه انتصر على نفسه وزكاها، وحزب الشيطان المغلوب دائما، وإن انتصر في الخارج، لأنه خسر نفسه ودساها.

وقد ثار الإمام الحسين(ع) في وجه الظلم والاستبداد، ورفض حالة الذل والاستسلام التي طغت على الأمة المفتونة في ذاك الزمان، ورفع شعاره الخالد في التاريخ((هيهات منا الذلة))؛ ليكون شعاراً للمؤمنين الأحرار والشرفاء من بعده.

لقد كانت ملحمة كربلاء ميدان حقيقي للصراع بين معسكر الخير والشر، حيث تجسدت وتجلت في معسكر الإمام الحسين جميع قيم الخير العقلية من المعرفة والصدق والشرف والعزة والكرامة والصبر والإيثارفي الرجال والنساء والكبار والصغار على حد سواء، على حين تجلت في معسكر يزيد جميع قيم الشر من الجهالة والسفاهة، والكذب والمكر والخداع، والهمجية التي بيضت وجوه الأشرار السابقين.

وعلى الرغم من أنّ الإمام الحسين(ع) قد خسر المعركة في الظاهر، وفقد حياته الشريفة وأولاده الأعزاء وأنصاره الأوفياء، وسُبيت نساؤه الحرائر الفاضلات، إلا أنه قد ربح في الواقع المعركة الحقيقية، معركة الشرف والعزة والكرامة، وأصبح قدوة وأسوة لجميع الأحرار والشرفاء من أباة الضيم، وأصحاب العقول والضمائر الحية الرافضين للخنوع والاستسلام سواء أمام غرائزهم الحيوانية أو أمام الذين خسروا أنفسهم من الأشرار والظالمين.