الموجود والوجود في الفلسفة كيف حدثا وعلى ماذا يدلان وما هي اقسامهما | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 1 فبراير, 2014
المشاهدات: 6٬505
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوین المقال

الموجود والوجود في الوضع الأول

الموجود في لسان جمهور العرب هو أوّلا اسم مشتقّ من الوجود والوجدان. وهو يستعمل عندهم مطلقا ومقيّدا، أمّا مطلقا ففي مثل قولهم «وجدت الضالّة» و«طلبت كذا حتّى وجدته»، وأمّا مقيّدا ففي مثل قولهم «وجدت زيدا كريما» أو «لئيما».

فالموجود المستعمل عندهم على الإطلاق قد يعنون به أن يصير الشيء معروف المكان وأن يتمكّن منه فيما يراد منه ويكون معرضا لما يلتمس منه. وذلك أنهم يعنون بقولهم «وجدت الضالّة» و«وجدت ما كنت فقدته» أنّي علمت مكانه وتمكّنت ممّا ألتمس منه متى شئت. وبالجملة يعنون به أن يصير الشيء معلوما.

وأمّا الذي يستعمل مقيّدا في مثل قولهم «وجدت زيدا كريما» أو «لئيما» فإنّما يعنون به عرفت زيدا كريما أو لئيما لا غير. وقد يستعمل العرب مكان هذه اللفظة في الدلالة على هذه المعاني «صادفت» و«لقيت»، ومكان الموجود «المصادَف» و«الملقى».

وتستعمل في ألسنة سائر الأمم عند الدلالة على هذه المعاني التي تدلّ عليها هذه اللفظة في العربيّة وفي الأمكنة التي يستعمل فيها جمهور العرب هذه اللفظة لفظة معروفة عند كلّ أمّة من أولئك الأمم يدلّون بها على هذه المعاني بأعيانها، وهي بالفارسيّة «يافت» وفي السغديّة «قيرد» -يعنون به الوجود والوجدان-و«يافته» و«قيردو»-يعنون به الموجود. وفي كلّ واحد من باقي الألسنة لفظة من نظير ما في الفارسيّة والسغديّة، مثل اليونانيّة والسريانيّة وغيرها.

معنى له وضع في بعض اللغات وليس له في العربية وضع أصلا

ثمّ في سائر الألسنة -مثل الفارسيّة والسريانيّة والسغديّة-لفظة يستعملونها في الدلالة على الأشياء كلّها، لا يخصّون بها شيئا دون شي‏ء. ويستعملونها في الدلالة على رباط الخبر بالمخبر عنه، وهو الذي يربط المحمول بالموضوع متى كان المحمول اسما أو أرادوا أن يكون المحمول مرتبطا بالموضوع ارتباطا بالإطلاق من غير ذكر زمان. وإذا أرادوا أن يجعلوه مرتبطا في زمان محصّل ماض أو مستقبل استعملوا الكلم الوجوديّة، وهي كان أو يكون أو سيكون أو الآن.

وأما إذا أرادوا أن يجعلوه مرتبطا به من غير تصريح بزمان أصلا نطقوا بتلك اللفظة، وهي بالفارسيّة «هست» وفي اليونانيّة «استين» وفي السغديّة «استي» وفي سائر الألسنة ألفاظ أخر مكان هذه. وهذه الألفاظ في هذه الألسن تستعمل كما قلنا في مكانين أي للدلالة على الأشياء كلها وعلى ربط المحمول بالموضوع بنحو مطلق ومجرد عن الزمان.

هذا المعنى جامد اشتق منه مصدر صناعي

وهذه كلّها غير مشتقّة في شي‏ء من هذه الألسنة، بل هي مثالات أول وليست لها مصادر ولا تصاريف. ولكن إذا أرادوا أن يعملوها مصادر اشتقّوا منها ألفاظا أخر مكان هذه، وهذه الألفاظ يستعملونها مصادر كما يعمل العرب مصادر من الألفاظ الجامدة، وذلك مثل «الإنسان» الذي هو مثال أوّل في العربيّة ولا مصدر له ولا تصريف، ولكن إذا أرادوا أن يعملوا منها مصدرا قالوا «الإنسانيّة» مشتقّا من «الإنسان». فكذلك تعمل سائر الألسنة بتلك اللفظة؛ مثل ما في الفارسيّة، فإنّهم إذا أرادوا أن يعملوا «هست» مصدرا قالوا «هستي»، فإنّ هذا الشكل يدلّ على مصدر ما ليس له تصاريف من الألفاظ عندهم، كما يقولون «مردم»-وهو الإنسان-و «مردمي»-وهو الإنسانيّة.

افتقاد اللغة العربية لوضع لهذا المعنى أوجب استحداث وضع جديد

وليس في العربيّة منذ أوّل وضعها لفظة تقوم مقام «هست» في الفارسيّة ولا مقام «استين» في اليونانيّة ولا مقام نظائر هاتين اللفظتين في سائر الألسنة. والحال أن هذه يحتاج إليها ضرورة في العلوم النظريّة وفي صناعة المنطق.

فلمّا انتقلت الفلسفة إلى العرب احتاج الفلاسفة الذين يتكلّمون بالعربيّة أن يجعلون عبارتهم عن المعاني التي في الفلسفة وفي المنطق بلسان العرب، إلا أنهم لم يجدوا في لغة العرب منذ أوّل ما وضعت لفظة ينقلوا بها الأمكنة التي تستعمل فيها «استين» في اليونانيّة و«هست» بالفارسيّة فيجعلوها تقوم مقام هذه الألفاظ في الأمكنة التي يستعملها فيها سائر الأمم.

النزاع حول اختيار اللفظ المناسب لوضع جديد بإزاء المعنى الجديد

فبعضهم رأى أن يستعمل لفظة «هو» مكان «هست» بالفارسيّة و «استين» باليونانيّة. فإنّ هذه اللفظة قد تستعمل في العربيّة كناية في مثل قولهم «هو يفعل» و «هو فعل» وربّما استعملوا «هو» في العربيّة في بعض الأمكنة التي يستعمل فيها سائر أهل الألسنة تلك اللفظة المذكورة، وذلك مثل قولنا «هذا هو زيد»، فإنّ لفظة «هو» بعيد جدّا في العربيّة أن يكونوا قد استعملوها هاهنا كناية، كذلك «هذا هو ذاك الذي رأيته» و«هذا هو المتكلّم يوم كذا وكذا» و«هذا هو الشاعر»، وكذلك «زيد هو عادل» وأشباه ذلك. فاستعملوا «هو» في العربيّة مكان «هست» في الفارسيّة في جميع الأمكنة التي يستعمل الفرس فيها لفظة «هست». وجعلوا المصدر منه «الهويّة»، فإنّ هذا الشكل في العربيّة هو شكل مصدر كلّ اسم كان مثالا أوّلا ولم يكن له تصريف، مثل «الإنسانيّة» من «الإنسان» و «الحماريّة» من «الحمار» و «الرجوليّة» من «الرجل».

ورأى آخرون أن يستعملوا مكان تلك الألفاظ بدل الهو لفظة الموجود، وهو لفظة مشتقّة ولها تصاريف. وجعلوا مكان الهويّة لفظة الوجود، واستعملوا الكلم الكائنة منها كلما وجوديّة روابط في القضايا التي محمولاتها أسماء، مكان كان ويكون وسيكون. واستعملوا لفظة الموجود في المكانين، في الدلالة على الأشياء كلّها وفي أن يربط الاسم المحمول بالموضوع حيث يقصد ألا يذكر في القضيّة زمان، وهذان المكانان هما اللذان فيهما «هست» بالفارسيّة و «استين» باليونانيّة. واستعملوا الوجود في العربيّة حيث تستعمل «هستي» بالفارسيّة، واستعملوا وجد ويوجد وسيوجد مكان كان ويكون وسيكون.

اختيار لفظ الموجود ليوضع بإزاء المعنى الجديد يحدث لبسا وخللا

ولأنّ لفظة الموجود قد كانت أوّل ما وضعت في العربيّة مشتقّة، وكلّ مشتقّ فإنّه يخيّل ببنيته فيما يدلّ عليه موضوعا لم يصرّح به ومعنى المصدر الذي منه اشتقّ في ذلك الموضوع، فلذلك صارت لفظة الموجود تخيّل في كلّ شي‏ء معنى في موضوع لم يصرّح به-وذلك المعنى هو المدلول عليه بلفظة الوجود-حتّى تخيّل وجودا في موضوع لم يصرّح به، وفهم أنّ الوجود كالعرض في موضوع، أو تخيّل أيضا فيه أنّه كائن عن إنسان، إذ كانت هذه اللفظة منقولة من المعاني التي يوقع عليها الجمهور هذه اللفظة-وهي التي للدلالة عليها وضعت من أوّل ما وضعت-والتي كانت معانٍ كائنة عن الإنسان إلى شي‏ء آخر، إمّا إنسان أو غيره، كقولنا «وجدت الضالّة» و«طلبت كذا» أو «وجدته» و«وجدت زيدا كريما» أو «لئيما»، فإنّ هذه كلّها تدلّ على معان كائنة عن إنسان إلى آخر.

تنبيه ضروري حول المعنى الجديد للفظي الموجود والوجود

 وينبغي أن تعلم أنّ هذه اللفظة إذا استعملت في العلوم النظريّة التي بالعربيّة مكان «هست» بالفارسيّة فينبغي ألا يخيّل معنى الاشتقاق ولا أنّه كائن عن إنسان إلى آخر، بل تستعمل على أنّها لفظة شكلها شكل مشتقّ من غير أن تدلّ على ما يدلّ عليه المشتقّ، بل أنّ معناه معنى مثال أوّل غير دالّ على موضوع أصلا ولا على مفعول تعدّى إليه فعل فاعل، بل يستعمل في العربيّة دالّا على ما تدلّ عليه «هست» في الفارسيّة و «استين» في اليونانيّة. وتستعمل على مثال ما نستعمل قولنا «شي‏ء». فإنّ لفظة الشيء إذا كانت مثالا أوّلاً لم يفهم منه موضوع ولا فهم أنّه كائن عن إنسان إلى آخر، بل إنّما يفهم منه ما يعمّ ما يدلّ عليه المشتقّ والمثال الأول، وما هو كائن عن إنسان إلى آخر أو غير كائن.

أما لفظة الوجود فتستعمل مصدرا، ولكن ينبغي أن يتحرّز من أن يتخيّل أنّ معناه هو كائن عن إنسان إلى آخر-وهو ما كان هذا المصدر يدلّ عليه عند جمهور العرب من أوّل ما وضع-ولكن يستعمل على مثال ما نستعمل قولنا في العربيّة «الجمود» وأشباه ذلك ما بنيته بنية الوجود في العربيّة ممّا ليس يدلّ على كونه عن إنسان إلى آخر.

العدول عن الوضع الجديد للفظ الموجود لشدة تغليطه

ولأنّ هذه اللفظة بحيث ما هي عربيّة وبنيتها عندهم هذه البنية صارت مغلطة جدّا، رأى قوم أن يتجنّبوا استعمالها واستعملوا مكانها قولنا «هو» ومكان الوجود «الهويّة». ولأنّ لفظة «هو» ليست باسم ولا كلمة في العربيّة، ولذلك لا يمكن فيها أن نعمل منها مصدرا أصلا، وكان يحتاج في الدلالة على هذه المعاني التي يلتمس أن يدلّ عليها في العلوم النظريّة إلى اسم، وكان يحتاج إلى أن يعمل منه مثل «الرجل» و «الرجوليّة» و«الإنسان» و «الإنسانيّة»، رأى قوم أن يتجنّبوها ويستعملوا الموجود مكان «هو» والوجود مكان الهويّة.

اقرار كلا اللفظين “هو” و “موجود” وتنبيهات لرفع اللبس

وأمّا أنا فإنّي أرى أنّ الإنسان‏ له أن يستعمل أيّهما شاء، ولكن:

إذا استعمل لفظة «هو» فينبغي أن يستعملها على أنّها اسم لا أداة تركّب مبنيّة في جميع الأمكنة على طرف واحد، على مثال ما توجد عليه كثير من الأسماء العربيّة التي تركّب مبنيّة على طرف واحد آخر وأمّا المصدر الكائن منها وهو «الهويّة» فينبغي أن يستعمل اسما كاملا ويستعمل فيه الطرف الأوّل والأطراف الأخيرة كلّها.

وإذا استعملت لفظة الموجود استعملت على أنّها مثال أوّل وإن كان شكلها شكل مشتقّ، ولا يفهم منها ما تخيّله نظائرها من المشتقّات ولا من التي تفهمها هذه اللفظة إذا استعملت في الأمكنة التي يستعملها فيها جمهور العرب وعلى وضعها الأوّل، لا موضوعا ولا معنى في موضوع ولا أنّه كائن عن الإنسان إلى آخر، بل على العموم وكيف اتّفق، بل تستعمل منقولة عن تلك المعاني مجرّدة عن التي توهمها هناك وتستعمل على مثال ما نستعمل قولنا «شي‏ء».

معاني لفظة الموجود إذا استعملت في الفلسفة

فنحن الآن نحصي معنى هذه اللفظة إذا استعملت في العلوم النظريّة على النحو الذي ذكرنا أنّه ينبغي أن تستعمل عليه:

المعنى الأول

الموجود لفظ مشترك يقال على جميع المقولات -وهي التي تقال على مشار إليه-، ويقال على كلّ مشار إليه، كان في موضوع أو لا في موضوع. والأفضل أن يقال إنّه اسم لجنس جنس من الأجناس العالية على أنّه ليست له دلالة على ذاته، ثمّ يقال على كلّ ما تحت كلّ واحد منها على أنّه اسم لجنسه العالي، ويقال على جميع أنواعه بتواطؤ -مثل اسم العين، فإنّه اسم لأنواع كثيرة ويقال عليها باشتراك-، ثمّ يقال على كلّ ما تحت نوع نوع بتواطؤ على أنّه اسم أوّل لذلك النوع، ثم لكلّ ما تحت ذلك النوع على أنّه يقال عليها بتواطؤ.

وقد يمكن أن يقال إنّه اسم يقال باشتراك‏ على العموم على كل جنس جنس من الأجناس، ثمّ هو اسم لواحد واحد ممّا تحته يقال عليه بالخصوص. وقد تلزم هنا شنعة ما، فلذلك آثرنا ذلك الأوّل، إلّا أن يكون بنوع من الإضافة.

المعنى الثاني

وقد يقال على كلّ قضيّة كان المفهوم منها هو بعينه خارج النفس كما فهم، وبالجملة على كلّ متصوّر ومتخيّل في النفس وعلى كلّ معقول كان خارج النفس وهو بعينه كما هو في النفس. وهذا معنى أنّه صادق، فإنّ الصادق والموجود مترادفان.

المعنى الثالث

وقد يقال على الشيء «إنّه موجود» ويعنى به أنّه منحاز بماهيّة ما خارج النفس سواء تصوّر في النفس أو لم يتصوّر.

لفظ الماهية مدلوله وأقسامه

والماهيّة والذات قد تكون منقسمة وقد تكون غير منقسمة، فما كانت ماهيّته منقسمة فإنّ التي يقال إنّها ماهيّته ثلاثة:

إحداها جملته التي هي غير ملخّصة.

والثانية الملخّصة بأجزائها التي بها قوامها.

والثالثة جزء جزء من أجزاء الجملة كلّ واحد بجملته على حياله.

فجملته ما دلّ عليه اسمه، والملخّصة بأجزائها ما دلّ عليه حدّه، وجزء جزء من أجزائها جنس وفصل كلّ واحد على حياله أو مادّة وصورة كلّ واحدة على حيالها، وكلّ واحدة من هذه الثلاثة يسمّى الماهيّة والذات.

وبالجملة فإنّما يسمّى الماهيّة كلّ ما للشيء، صحّ أن يجاب به في جواب «ما هو هذا الشيء» أو في جواب المسئول عنه بعلامة ما أخرى-فإنّ كلّ مسئول عنه «ما هو» فهو معلوم بعلامة ليست هي ذاته ولا ماهيّته المطلوبة فيه بحرف ما. فقد يجاب عنه بجنسه، وقد يجاب عنه بفصله أو بمادّته أو بصورته، وقد يجاب عنه بحدّه، وكلّ واحد منها فهو ماهيّته المنقسمة، وتنقسم إلى أجزاء، فإن كانت ماهيّة كلّ واحد من أجزائها منقسمة، فتنقسم أيضا إلى أجزاء، حتّى تنقسم إلى أجزاء ليس واحد منها ينقسم، فتكون ماهيّة كلّ واحد منها غير منقسمة.

فالموجود إذن يقال على ثلاثة معان:

  • ·        على المقولات كلّها.
  • ·        على ما يقال عليه الصادق.
  • ·        على ما هو منحاز بماهيّة ما خارج النفس تصوّرت‏ أو لم تتصوّر.

ما ماهيته منقسمة فإن الموجود والوجود فيه مختلفان

ثم إن ما ينقسم حتّى تكون له جملة وملخّص تلك الجملة فإنّ الموجود والوجود يختلفان فيه، فيكون الموجود هو الجملة -وهي ذات الماهيّة-والوجود هو ماهيّة ذلك الشيء الملخّصة أو جزء جزء من أجزاء الجملة إمّا جنسه وإمّا فصله، وفصله إذ كان أخصّ به فهو أحرى أن يكون وجوده الذي يخصّه.

ووجودٌ ما هو صادق، فهو إضافة ما للمعقولات إلى ما هو خارج النفس.

والموصوف بجنس جنس من الأجناس العالية فوجوده هو جنسه، وأيضا هو داخل في معنى الوجود الذي هو الماهيّة أو جزء ماهيّة، فإنّ جنسه هو جزء ماهيّته وهو ماهيّة ما به، وإنّما يكون ذلك فيما ماهيّته منقسمة.

ما ماهيته غير منقسمة الوجود والموجود فيه متحدان

وكلّ ما كانت ماهيّته غير منقسمة فهو إمّا أن يكون موجودا لا يوجد وإمّا أن يكون معنى وجوده وأنّه موجود شيئا واحدا، ويكون أنّه وجود وأنّه موجود معنى واحدا بعينه.

فالموجود المقول على جنسٍ جنسٍ من الأجناس العالية، فإنّ الوجود والموجود فيها معنى واحد بعينه. وكذلك ما ليس في موضوع ولا موضوعا لشيء أصلا فإنّه أبدا بسيط الماهيّة، فإنّ وجوده وأنّه موجود شي‏ء واحد بعينه.

المعاني الثلاثة للموجود تصدق على المقولات باعتبارات مختلفة

العلاقة بين معنيي الموجود: “الصادق” و “والماهية المنحازة”

وظاهر أنّ كلّ واحد من المقولات التي تقال على مشار إليه هي منحازة بماهيّة ما خارج النفس من قبل أن تعقل منقسمة أو غير منقسمة وهي مع ذلك صادقة بعد أن تعقل، إذ كانت إذا عقلت وتصوّرت تكون معقولات ما هو خارج النفس، فيجتمع فيها أنّها موجودات بتينك الجهتين الأُخرَيين. فيحصل أن تكون ترتقي معاني الموجود فيها الى معنيين: إلى أنّه صادق وإلى أنّ له ماهيّة ما خارج النفس.

وظاهر أنّ كلّ صادق فهو منحاز بماهيّة ما خارج النفس. والمنحاز بماهيّة ما خارج النفس هو أعمّ من الصادق. لأنّ ما هو منحاز بماهيّة ما خارج النفس إنّما يصير صادقا إذا حصل متصوّرا في النفس، أما قبل أن يتصوّر ما هو منحاز بماهيّة ما خارج النفس فليس يعدّ صادقا بعد، إذ معنى الصادق هو أن يكون المتصوّر هو بعينه خارج النفس كما تصوّر، وهذا إنّما يحصل‏ في المتصوّر بإضافته إلى خارج النفس، وكذلك الكذب فيه.

فالصادق بما هو صادق هو المتصور بالإضافة إلى ما هو منحاز بماهيّة ما خارج النفس. والمنحاز بماهيّة ما على الإطلاق من غير أن يشرط فيه هو أعمّ من الذي هو منحاز بماهيّة ما خارج النفس، فإنّ الشيء قد ينحاز بماهيّة متصوّرة فقط ولا تكون هي بعينها خارج النفس، أو كانت منها أشياء معقولة متصوّرة ومتخيّلة ليست بصادقة، كقولنا «القطر مشارك للضلع» وكقولنا «الخلاء»، فإنّ الخلاء له ماهيّة ما، وذلك أنّا قد نسأل عن الخلاء «ما هو» ويجاب فيه بما يليق أن يجاب في جواب «ما هو الخلاء» ويكون ذلك قولا شارحا لاسمه وما يشرح الاسم فهو ماهيّة ما ولكنها ليست خارج النفس ولذا كان المتصور عنها كاذبا.

وينبغي أن تعلم ما هي الأشياء التي لها ماهيّات خارج النفس، فتحصل إذن على المعقولات، وعلى ما عليها تقال، وعلى ما عنها استفادت ماهيّاتها وهي مادّتها. فلذلك إذا قلنا في الشيء «إنّه موجود» و «هو موجود» فينبغي أن يسأل القائل لذلك أيّ المعنيين عنى، هل أراد أنّ ما يعقل منه صادق أو أراد أنّ له ماهيّة ما خارج النفس بوجه ما من الوجوه.

لفظ الموجود يقال بتقديم وتأخير تبعا لكون الماهية أكمل أو أنقص

ثم إن ما له ماهيّة ما خارج النفس، وإن كان عامّا، فإنّه يقال بالتقديم والتأخير على ترتيب. وهو أنّ ما كان أكمل ماهيّة ومستغنيا في أن يحصل ماهيّة عن باقيها، وأما باقيها فيحتاج في أن يحصل ماهيّة وفي أن يعقل إلى هذه المقولة، فهي أحرى أن تكون وأن يقال فيها إنّها موجودة من باقيها.

ثمّ ما كان من هذه المقولة محتاجاً في أن يحصل ماهيّة إلى فصل أو جنس من هذه المقولة كان أنقص ماهيّة من ذلك الذي هو من هذه المقولة سبب لأن يحصل ماهيّة. فما كان ممّا في هذه المقولة سببا لأن تحصل به ماهيّة شي‏ء منها كان أكمل ماهيّة وأحرى أن‏ يسمّى موجودا.

ولا يزال هكذا يرتقي في هذه المقولة إلى الأكمل فالأكمل ماهيّة إلى أن يحصل فيها ما هو أكمل ماهيّة ولا يوجد في هذه المقولة ما هو أكمل منها، كان ذلك واحدا أو أكثر من واحد. فيكون ذلك الواحد وتلك الأشياء هي أحرى أن يقال «إنّه موجود» من الباقية.

السبب لكل المقولات أحق بلفظ الموجود لكون ماهيته هي الأكمل على الإطلاق

فإن صودف شي‏ء خارج عن هذه المقولات كلّها هو المسبِّب في أن تحصل ماهيّة ما هو أقدم شي‏ء في هذه المقولة، كان ذلك هو السبب في ماهيّة باقي ما في هذه المقولة، ويكون ما هو السبب في ماهية هذه المقولة هو السبب في ماهيّة باقي المقولات الأخر. فتكون الموجودات التي يُعنى بالموجود فيها ما له ماهيّة خارج النفس مرتّبة بهذا الترتيب.

الموجود بالقوة والموجود بالفعل

والموجود الذي يعنى به ما له ماهيّة ما خارج النفس، منه موجود بالقوّة ومنه موجود بالفعل.

وما هو موجود بالفعل ضربان:

  • ضرب غير ممكن ألا يكون بالفعل ولا في وقت من الأوقات أصلا فهو دائما بالفعل.
  • ضرب قد كان لا بالفعل، وهو الآن بالفعل، وقد كان قبل أن يكون بالفعل‏ موجودا بالقوّة.

معنى الموجود بالقوة وأقسامه

ومعنى قولنا «موجود بالقوّة» أنّه مسدّد ومعدّ لأن يحصل بالفعل.

وما هو مسدّد ومعدّ لأن يحصل بالفعل:

  • منه ما هو مسدّد ومعدّ لأن يحصل بالفعل فقط من غير أن يكون تسديده واستعداده لذلك استعدادا لئلا يحصل بالفعل أو لأن يحصل بالفعل ولئلا يحصل بالفعل، بل يكون استعداده استعدادا مسدّدا نحو الفعل فقط.
  • ومنه ما هو مسدّد ومستعدّ لأن يحصل بالفعل أو لا يحصل.

فالموجود بالقوّة فإنّ قوّته تنقسم إلى هذين، ولا فرق بين أن نقول «القوّة» أو «الإمكان». فإنّ ما هو موجود بالقوّة منه ما هو بقوّته وإمكانه مسدّد نحو أن يحصل بالفعل فقط، ومنه ما هو مسدّد لأن يحصل بالفعل والّا يحصل، فيكون مسدّدا لمتقابلين.

أقسام المسدد نحو أن يحصل بالفعل فقط

وما هو مسدّد في ذاته لأن يحصل بالفعل فقط فإنّه ضربان:

  • ضرب معرّض للعوائق الواردة من خارج.
  • وضرب لا عائق له أصلا.

وما لا عائق له أصلا من خارج من هذين فإنّه سيكون لا محالة يحصل بالفعل.

أما ما هو معرض للعوائق فمثل إحراق النار للأشياء التي تماسّها، فإنّ النار فيها قوّة الإحراق فقط وليست هي مسدّدة لأن تحرق ولا تحرق، ولكن لمّا كانت معرّضة للعوائق عن الإحراق صارت ربّما أحرقت وربّما لم تحرق.

وأما ما ليس معرضا لعائق من خارج فمثل كسوف القمر فإنّ قوّته التي هو بها مستعدّ لأن ينكسف، هو بها مسدّد لأن ينكسف عند الاستقبال في العقدة، وغير معرّض لعائق من خارج أصلا فلذلك إذا قابل الشمس عند إحدى العقدتين انكسف لا محالة.

وهذه أشياء قد لخّصت في الفصل الثالث من كتاب «باري ارميناس» أي كتاب العبارة.

أسماء الموجود بالقوة

وما هو موجود بالقوّة لم تجر عادة الجمهور فيه أن يسمّوه موجودا بل يسمّوه غير موجود ما داموا يعبّرون عنه بلفظ الموجود.

وإنّما يسمّون بلفظ الموجود ما كانت ماهيّته التي بالفعل صادقة-ولا يسمّون ما كانت ماهيّته صادقة وماهيّته بعد بالقوّة موجودا-فإنّ هذا هو الأسبق إلى نفوسهم من لفظ الموجود.

فأمّا إذا نطقوا عن أنواع ما يقال فيه على العموم إنّه موجود جعلوا العبارة عنه حين ما هو بعد بالقوّة باللفظة التي يعبّرون بها عنه وهو بالفعل، وذلك مثل «الضارب» و«القاتل» و«المضروب» و «المبنيّ» و«المقتول»، فإنّهم يقولون «فلان مضروب أو مقتول لا محالة»، وذلك من قبل أن يضرب، إذا كان مستعدّا لأن يضرب في المستقبل، وكذلك يقولون «ما ببلاد الهند من الأشجار مرئيّة» يعنون به أنها معرضة لأن ترى، وكذلك يقولون «إنّ الإنسان ميّت» أو «زيد ميّت» يعنون به معرض للموت، وذلك من قبل أن يموت.

فيجعلون العبارة في جزئيّات ما هو بالقوّة حينا وبالفعل حينا بألفاظ واحدة بأعيانها، ويجعلون اللفظ الدالّ على ما هو بعد بالقوّة هو بعينه اللفظ الدالّ على ما هو منه حاصل بالفعل.

فاتّبع الفلاسفة في لفظة الموجود المقولة على جميع هذه على العموم حذوهم في جزئيّات ما يقال‏ عليه الموجود بأن سمّوا ما هو منه بعد بالقوّة باسم ما هو منه بالفعل، فسمّوه الموجود في الوقتين جميعا، وفصلوا بينهما بما زادوه من شريطة القوّة والفعل، فقالوا «موجود بالقوّة» و«موجود بالفعل».

والموجود بالفعل قد يقال «إنّه موجود لا بالقوّة» وقد يقال «إنّه غير موجود بالقوّة»، فإليك أن تنطق عنه بأيّ العبارتين شئت.

وكذلك فيما هو موجود بالقوّة، إن شئت قلت فيه «إنّه موجود لا بالفعل» وإن شئت قلت «إنّه غير موجود بالفعل».

«غير الموجود» هو الكاذب أو ما لا ماهية له أصلا

و«غير الموجود» و «ما ليس بموجود» تقال على نقيض ما هو موجود، وهو ما ليست ماهيّته خارج النفس، وذلك يستعمل على: ما لا ماهيّة له ولا بوجه من الوجوه أصلا لا خارج النفس ولا في النفس؛ وعلى ما له ماهيّة متصوّرة في النفس لكنّها ليست خارج النفس، وهو الكاذب، فإنّ الكاذب قد يقال «إنّه غير موجود»، وذلك أنّ ما له ماهيّة خارج النفس سلبه قولنا «ليست له ماهيّة خارج النفس»، وهذا مشتمل: على ما له ماهيّة في النفس فقط من غير أن يكون خارج النفس وما ليست له ماهيّة خارج النفس ولا في النفس.

و«غير الموجود» انّما يدلّ على هذا السلب، كما أنّ قولنا «ليس يوجد عادلا» ولا يصدق على ما يمكن فيه وعلى ما لا يمكن فيه العدل.

النسبة بين الكاذب والصادق

وما ليس بصادق فهو أعمّ من الكاذب، وذلك أنّ الذي لا ماهيّة له أصلا ليس بصادق ولا كاذب لأنّه لا اسم له ولا قول يدلّ عليه أصلا ولا بجنس ولا بفصل ولا يتصوّر ولا يتخيّل ولا تكون عنه مسألة أصلا. وأمّا ما كان ليس بصادق وهو كاذب فإنّه يعقل أو يتصوّر أو يتخيّل وله ماهيّة ما.

فإنّ للكاذب ماهيّة ما وله اسم وقد يسأل عنه «ما هو». مثل الخلاء، فإنّه قد يسأل عنه «ما هو» فيقال «هو مكان لا جسم فيه أصلا» و«يمكن أن يكون فيه جسم» أو غير ذينك ممّا يجاب به عن الخلاء وعما أشبهه. فإنّ هذا وما أشبهه هو كاذب وهو غير موجود.

معنى قولنا إن للكاذب ماهية ما

وإنّما تكون هذه مركّبة من أشياء لكلّ واحد منها على انفراده ماهيّة صادقة. والذي له ماهيّة خارج النفس ليس يقال فيه «إنّه صادق» ما لم يتصوّر. فإنّه «غير موجود» إذن بمعنيين مختلفين، فإنّ الذي ينفي «غير» ليس هو المعنى «يوجد» إلّا باشتراك الاسم. وهذا شي‏ء يعرض لكلّ شيئين اشتركا في اسم واحد وكان الصادق هو نفي أحدهما عن أمر ما وإيجاب الآخر، مثل «إنّ العضو الذي به نبصر هو عين وليس بعين»، وكذلك ما أشبهه.

إلّا أنّ الصادق إنّما يقال فيه «إنّه موجود» لأجل إضافته إلى الذي له ماهيّة خارج النفس. فهو إذن بالإضافة إلى المعنى الآخر الذي يقال عليه الموجود.

فأقدم ما يقال عليه الموجود هو هذا المعنى، فإن قال فيه قائل «إنّه غير موجود» يعني أنّه غير صادق، أي كان لم يتصوّر بعد، فما ينبغي أن يستنكر، فإنّه ليس بممتنع.

استعمال الجمهور للفظ “غير موجود”

والأسبق إلى النفوس في بادئ الرأي من قولنا «غير موجود» ما لا ماهيّة له أصلا ولا بوجه من الوجوه. ولذلك لمّا كان لا ماهيّة له أصلا ولا بوجه من الوجوه، وكان أن يعلم عند الجمهور هو أن يحسّ، صار ما كان غير محسوس عندهم في حدّ ما ليس بموجود. ولذلك لمّا صار أيضا ما كان أخفى في الحسّ عندهم من الأجسام مثل الهباء والهواء وما أشبهه في حدّ ما هو عندهم غير موجود، صاروا يقولون فيما تلف وبطل «إنّه هباء» و«صار هباء» و«ريحا».

ولذلك يسمّون القول الكاذب أيضا ريحا، إذ كان معناه يقال فيه إنّه غير موجود. فمن هاهنا يتبيّن أنّهم يقولون على الكاذب أيضا «غير موجود»، وإن لم يكن ذلك مشهورا في نطقهم، إذ كانوا يعبّرون عن الكاذب بالذي يعبّرون به عمّا لا ماهيّة له أصلا، فيقولون «إنّه ريح» كما يقولون فيما بطلت ماهيّته «إنّه صار ريحا».

استعمال الفلاسفة للفظ “غير موجود”

ولمّا كان الأقدمون من القدماء يعملون في الفلسفة على ما يفهم من الألفاظ في بادئ الرأي، وكان قولنا «غير موجود» يفهم عنه ببادئ الرأي ما ليست له ماهيّة أصلا، وكان ما هو غير موجود هكذا لا يمكن أن يصير موجودا وأن يحصل عنه موجود بالفعل، ورأوا ما يحسّ أشياء تحدث وتحصل بالفعل، وكان ما يحدث يسبق إلى النفس أنّه يحدث عن غير موجود، وكان الأسبق إلى النفس عن غير الموجود أنّه لا ماهيّة له أصلا، لزم عندهم محال، إذ كان يلزم أن يحدث موجود عن غير موجود. فاعتقد بعضهم أنّه غير موجود.

ورأى بعضهم أيضا أنّ هذا يلزم عنه أيضا محال، إذ كان يلزم أن يكون ما هو الآن موجود حادث الوجود قد كان موجودا قبل حدوثه. فأبطلوا الكون والحدوث، وقالوا إنّ الأشياء كلّها لم تزل ولا تزال وليس فيها شي‏ء يحدث ويبطل. وأبطلوا أن يتغيّر شي‏ء أصلا بوجه من وجوه التغيّر، وقالوا إنّه لا ينبغي أن يعمل على ما يظهر للحسّ، وذلك مثل قول ماليسس.

وهذا المعنى فهم فاسد من قولنا «غير موجود»، فقال: كلّ ما سوى الموجود فهو غير موجود، وما هو غير موجود فليس بشي‏ء. وإنّما حكم على ما هو لا موجود أنّه ليس بشيء، إذ فهم عما هو لا موجود ما لا ماهيّة له أصلا.

منشأ المشكلة عند الطبيعيين القدامى

ولمّا لم يتميّز أيضا للطبيعيّين الأقدمين فرق ما بين الموجود بالقوّة والموجود بالفعل كما تبيّن للإلاهيّين، شنع عندهم أن يقال في شي‏ء واحد «إنّه موجود» و «إنّه غير موجود»، إذ كانوا إنّما يفهمون عن «الموجود» ما له ماهيّة بالفعل فقط -فإنّ هذا هو أسبق إلى النفوس في بادئ الرأي-وكانوا يفهمون عن «غير الموجود» ما لا ماهيّة له أصلا-وهذا أيضا هو الأسبق إلى النفوس في بادئ الرأي.

فاعتقد كثير من المنطقيّين أن كلّ حادث الوجود حصل بالفعل‏، فقد كان بالفعل قبل وجوده. فبعضهم قال إنّه كان متفرّقا فاجتمع، وبعضهم قال كان مجتمعا مختلطا فافترق وتميّز بعضه عن بعض، وبعضهم قال إنّه كان عن لا موجود أصلا من كلّ الجهات. ثمّ أخذوا يحتالون فيما معنى أن يكون عن غير موجود أصلا ولا ماهيّة له أصلا.

الموجود بالذات والموجود بالعرض

و«الموجود بذاته» هو على عدد أقسام ما يقال «بذاته»: فمن ذلك ما ماهيّته مستغنية عن باقي المقولات ولا تحتاج إلى أن تتقوّم أو تحصل أو تعقل إليها، وتلك[1] هي المشار إليه الذي لا في موضوع[2]، ثمّ ما يعرّف ما هو هذا المشار إليه[3].

والمقابل لهذا هو الموجود في موضوع[4].

ومنه[5] ما ماهيّته مستغنية عن أن تحتاج في أن تتقوّم إلى نسبة بينه وبين غيره بوجه ما من الوجوه، وهو الذي لا سبب أصلا لماهيّته في أن تحصل، والمقابل لهذا هو الموجود الذي له سبب ما.

وأمّا الموجود بذاته بمعناه المقابل لما هو موجود بالعرض، فإنّه ليس يكون فيما يوصف بالموجود على الإطلاق وبالوجه الأعمّ، كما أنه ليس شيئا ماهيّته بالعرض.

بل إنّما يقال ذلك أي موجود بالذات وبالعرض عند مقايسة الموجودات بعضها إلى بعض وعندما يضاف بعضها إلى بعض-أيّ إضافة كانت وأيّ نسبة كانت-مثل أن يكون أحدهما أو كلّ واحد منهما بالآخر أو عنه أو إليه أو منه أو معه أو عنده أو منسوبا إليه نسبة أخرى-أيّ نسبة كانت.

فإنّه إذا كانت ماهيّة أحدهما أو كلّ واحد منهما هي أن تكون له تلك النسبة إلى الآخر، قيل في كلّ واحد منهما «إنّه منسوب إلى الآخر بذاته». كما إذا كانت ماهيّة شي‏ء ما توجب أن يوصف بمحمول ما فيه قيل في ذلك المحمول «إنّه محمول بذاته على ذلك الشيء» وقيل في ذلك الشيء «إنّه بذاته يوصف بذلك المحمول». وكذلك إن كانت ماهيّة أمر توجب أن يكون محمولا على موضوع قيل فيه «إنّه محمول بذاته على ذلك الموضوع» وقيل في ذلك الموضوع إنّه «بذاته يحمل عليه‏ ذلك المحمول». وكذلك إن كانت ماهيّة شي‏ء ما توجب دائما أو في أكثر الأمر أن يوصف بأمر ما قيل فيه «إنّه محمول عليه بذاته». وكذلك إن كان شي‏ء كائنا أو قوامه بأمر ما كان سببا له، فإنّه إن كانت ماهيّته هي أن يكون عنه، أو ماهيّة ما هو سبب أن يكون عنه ذلك الشيء، قيل «إنّه له بذاته». وإن لم يكن ذلك ولا في ماهيّة واحد منهما قيل «إنّه لذلك الأمر-أو فيه أو به أو عنه أو معه أو عنده-بالعرض».

 المقابل للموجود الذي يقال بالقياس إلى آخر هو «غير الموجود» الذي يقال بالقياس إلى آخر. فإنّا نقول «زيد غير موجود عمرا» و«الحائط غير موجود إنسانا» و«السرير غير موجود عن الطبيعة بل عن الصنعة»، نعني ليست ماهيّة السرير مستفادة عن الطبيعة. وكذلك في الباقي، نعني ما هو زيد ليست ماهيّة عمرو.

معنى أخر للفظ الموجود مضافا إلى الثلاثة السابقة

وقد يستعمل الموجود في شي‏ء آخر خارج عن هذه التي ذكرناها، وهو أنّه يستعمل رابطا للمحمول مع الموضوع في الأقاويل الجازمة الموجبة، فهذه اللفظة ومعناها تربط المحمول بالموضوع وبه يحصل إيجاب شي‏ء لشيء، وقد يحصل هذا الصنف من تركيب الموجودات بعضها إلى بعض، فإنّ الموجود يدلّ على الإيجاب و«غير الموجود» يدلّ على السلب.

وليس يدلّ في مثل قولنا «زيد موجود عادلا» على أنّ ماهيّة أحدهما بالذات أو بالعرض، ولا أنّ ماهيّة أحدهما أو كلاهما الخارجة عن النفس هي أن توصف بالعادل. فإنّه قد يكون هذا التركيب في جواب ما ليست له الآن ماهيّة خارج النفس، فيصدق قولنا «هوميروس موجود شاعرا». فيكون صادقا لأنّ ما يدلّ الموجود هاهنا ليس هو الموجود الذي تحدّدت معانيه فيما تقدّم، بل هو لفظة ينطوي فيها موضوع لمحمول أو محمول لموضوع، وبالجملة شيئان ركّبا هذا التركيب، وقد تنطوي فيها ماهيّاتها على أنّ لكلّ واحد عند الآخر هذه النسبة فقط.

تفصيل في الموجود بالمعنى الرابع وهو الربط

وهذه اللفظة في قوّتها ماهيّتا أمرين يضاف كلّ واحد منهما إلى الآخر هذه الإضافة، ليست ماهيّاتهما اللتان يقال إنّهما خارج النفس، لكنّها ماهيّتاهما كيف اتّفقت من حيث هما مضافان لها هذه الإضافة التي يصير المؤلّف منها قضيّة موجبة.

فإنّ هذه اللفظة[6] قد تستعمل فيما هي كاذبة وفيما هي صادقة وفيما لا ندري هل هي صادقة أو كاذبة، فإنّها إنّما تتضمّن ماهيّتهما على الإطلاق من حيث هما في النفس، سواء كانتا خارج النفس أو لم تكونا، وليس تتضمّن أيضا أمرين بأعيانهما، بل إنّما تتضمّن موضوعا لمحمول أو محمولا لموضوع.

فلا فرق بين أن يبتدأ في «آ ب» من الموضوع إلى المحمول أو من المحمول إلى الموضوع، فيقال «آ موجود ب» أو يقال «ب موجود آ». و«غير الموجود» يدلّ على سلب محمول عن موضوع أو موضوع يسلب عنه محمول ما، وليس للموجود منها هنا معنى آخر غير هذا.

فلذلك لمّا ظنّ قوم أنّه يعنى بالموجود هاهنا ما له ماهيّة خارج النفس ظنّوا أنّ قولنا «زيد يوجد عادلا» يوجب أن يكون زيد موجودا خارج النفس. وعلى هذا المثال ظنّوا في السلب، كقولنا «زيد ليس يوجد عادلا»، فإنّهم زعموا أنّه رفع ماهيّة زيد من حيث هو عادل، وأنّ الإيجاب قد كان عندهم إثبات ماهيّة زيد من حيث هو عادل، فلذلك لا يصدق الإيجاب على زيد متى كان قد مات وبطل.

وآخرون ظنّوا أنّه لا يصدق أن يقال «الإنسان موجود أبيض»، إذ ليست ماهيّة الإنسان أن يكون أبيض، وآخرون ظنّوا أن قولنا «الإنسان موجود حيوانا» كذب، إذ كان الحيوان قد يكون حمارا أو كلبا، وظنّوا أنّ قولنا «الإنسان موجود حيوانا» يعنى به أنّ الإنسان ماهيّته الحيوان الذي ينطوي فيه الحمار والكلب، فتكون ماهيّة الإنسان أن يكون حمارا أو كلبا، أو أن يكون الحيوان أيضا جزءا من حدّ الحمار وأن تكون ماهيّة الإنسان حماريّة ما، وقالوا بل الصادق أن يقال «الإنسان موجود إنسانا» و«العادل موجود عادلا».

رفع الالتباس عن لفظ الموجود بمعنى الربط

ولم يعلموا أنّ الموجود هاهنا إنّما استعمل باشتراك، وأنّه إنّما تنطوي فيه بالقوّة ماهيّتان اثنتان من حيث هما متصوّرتان لهما نسبة المحمول إلى الموضوع والموضوع إلى المحمول فقط لا غير، وأنّه ليس يتضمّن إضافة ماهيّة خارج النفس إلى ماهيّة خارج النفس بل إضافة في النفس أحد طرفيها الموضوع والآخر المحمول، ولا يتضمّن أن تكون ماهيّة أحدهما توجب أن توصف بذلك المحمول بل إنّما يتضمّن ما قلناه فقط، وهو أنه يتضمّن إضافة ما بها يصير أحد الأمرين خبرا والآخر مخبرا عنه موضوعا لا غير.

والمؤتلف من الشيئين اللذين يأتلف أحدهما إلى الآخر هذا الائتلاف هو القضيّة، وفيها يكون الصدق والكذب، ومنها موجبة ومنها سالبة.

لفظ الموجود بمعنى الربط تارة يذكر وتارة لا يذكر

وكلّ واحد من القضيتين الموجبة والسالبة إمّا أن يكون معنى الوجود الرابط فيهما مذكورا بالقوّة فقط، وهي القضايا التي محمولاتها كلم[7]، وإمّا أن يكون معنى الوجود الرابط فيهما بالفعل، وهي التي محمولاتها أسماء.

انقسام القضايا بحسب نحو الربط بين المحمول والموضوع

ثمّ تنقسم هذه التي محمولاتها أسماء بما ينقسم الموجود على الإطلاق، فمنها ما فيه إيجاب هذا الموجود بالفعل دائما، ومنها ما فيه نفي هذا الموجود دائما، ومنها ما فيه هذا الوجود بالفعل في وقت ما وقد كان قبل ذلك بالقوّة.

ثم إن ما هو بالقوّة فإنه ما دام بالقوّة يقال فيه «إنّه قضيّة ممكنة»، وإذا حصلت بالفعل قيل فيها «قضيّة وجوديّة»[8]؛ وأما كان فيه إيجاب هذا الوجود دائما قيل فيه «إنّه قضيّة موجبة ضروريّة»، وما كان فيه نفي هذا الوجود دائما قيل فيه «سالبة ضروريّة»؛ وسائر ما قلنا في كتاب «باري‏أرميناس» وكتاب «القياس».

فيكون منها -أي القضية بحسب نحو الربط-ما هو «صادق ضروريّ» ومنها ما هو «كاذب ضروريّ» وهو المحال، و«كاذب وجوديّ» وهو الكاذب غير المحال، وما هو «صادق وجوديّ»، ثمّ ما هو [9]«بالعرض» وما هو «بذاته» وما هو[10] «أوّل» وما هو «ثان»، وسائر ما في كتاب «البرهان».

فهذه معاني الوجود والموجود في الفلسفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أي مقولة الجوهر.

[2] هذ شخص الجوهر.

[3] هذا كلي الجوهر.

[4] وهذه المقولات العرضية.

[5] هذا القسم الثالث للموجود بالذات وهو خارج عن المقولات.

[6] يريد أن لفظة الموجود هنا تدل على صرف الربط الصوري الموجب بين المحمول والموضوع بمعزل عن مضمون أي منهما كما أن لفظة غير موجود تدل على صرف السلب الصوري كذلك وبالتالي فإن هذه اللفظة لا تدل على أن كلا من الموضوع والمحمول خارج النفس أو ليسا كذلك ولا تعرّض لها إلى أي من ذلك.

[7] إذ يستغنى بالمحمول الذي هو كلمة عن أن يصرح باللفظ بذكر موجود أو غير موجود ولذلك يقال إنه مذكور بالقوة.

[8] دلالة على صرف الثبوت والفعلية بمعزل عن الدوام وعدمه والضرورية وعدمها.

[9] هذا تقسيم آخر بلحاظ مناط الربط.

[10] هذا تقسيم آخر بلحاظ مرتبة مناط الربط.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع



займ на картукредит онлайн