المنهج العقلي البرهاني | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 20 يوليو, 2015
المشاهدات: 2٬213
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

إنَّ الباحث عن العلم بالواقع كما هو، إذا أراد أن يصل مبتغاه بطريقٍ صحيحٍ ومأمون، فعليه أن يبدأ من نقطة الشك المطلق في كلِّ ما يحيط به، بحيث لا يكون لديه مسلَّمات قبليّة أخذها من بيئته أو مجتمعه، ثمَّ يشرع في التفكير فيخطو أوّل خطوة، والتي تتعلّق بإثبات أصل وجود الواقع الخارجي، حيث إنَّه وقبل إثبات وجود الواقع لا معنى للبحث عنه بأيِّ نحوٍ من الأنحاء، ثمَّ يأتي البحث الثاني وهو: هل يمكن العلم بهذا الواقع الخارجي، أو لا يمكن؟

ولكن يبقى السؤال المهم هنا هو: كيف يمكن لنا إثبات أصل الواقع؟ وهل فيه قابلية العلم به؟ ولأجل الجواب عن هذا، فإنَّه ليس أمام الإنسان ليخطو هاتين المرحلتين إلَّا المعارف التي يجدها مركوزة في نفسه من دون أن يتلقاها من أحد، ويجد أنَّها بيّنة واضحة الصدق عنده لا تحتاج إلى أن يثبتها، ولا يجد للشكِّ طريقاً إليها، وهذه المعارف هي ما تسمّى بالبديهيات، ولولاها لما أمكن للإنسان أن يبني علومه بشكلٍ مستدلٍّ ومنطقي من حيث الأساس، حيث إنَّها تشكّل رأس مال الإنسان العلمي لينطلق من خلالها لتحصيل العلوم وزيادة رصيده منها.

وهي لا تختصّ بفردٍ من أفراد الإنسان دون فردٍ آخر، بل هي عامّة يجدها كلَّ أبناء البشر عندهم، ولعلَّها قد تختفي عن الإنسان فيحتاج إلى ما ينبّهه إليها، وبمجرَّد الالتفات إليها يحصل له القطع بها بصورةٍ مباشرة، وعلى رأس هذه المعارف هي قضية استحالة اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، ، والذي يحاول أن يشكك في مثل هذه القضية فهو: إمَّا أنَّه لم يحصل له تصوّر صحيح لأجزائها، أي للمحمول والموضوع فيها، أو أنَّه لا يعرف ما هو المقصود بالتناقض وشرائطه، فقد يخلط بينه وبين التضادّ أو غيره، أو قد يتصوّره من خلال أمثلة غير صحيحة كما وقع لبعض مفكّري الغرب ومَن تبعهم، وإمَّا أنَّه معاند غرضه الممارات والتفوّق على الآخرين أو غير ذلك من الأمراض النفسيّة، أو لأنَّه قد وقع في الحيرة بسبب أنَّ الأدلة التي عنده قد أدّت إلى نتائج متناقضة وهو غير قادر أن يرد على بعضها ويتبنى البعض الآخر، فيبقى على شكٍّ في أيٍّ من النتيجتين هي الحقّ.

ثمَّ عليه بعد ذلك أن يكتشف قوانين التفكير الصحيح؛ وذلك بتشريح عمل الذهن ومعرفة الخطوات التي يقوم بها عند حصول عملية التفكير، واكتشاف المواضع التي يمكن أن يقع فيها الخطأ في عملية التفكير، ومن ثَمَّ اكتشاف ووضع القوانين لعملية التفكير؛ بحيث يتجنب من خلالها الوقوع في الخطأ في هذه العملية، ثمَّ يبحث عن المنهج المعرفي الصحيح الذي يمكن من خلاله ضمان التعرّف على الواقع بنحوٍ صحيح وثابت.

والمنهج العقلي البرهاني هو المنهج الذي يمكن الاعتماد عليه في ذلك، لأجل أنَّه يتمتع بالخصائص التالية:

الأولى: إنَّ هذا المنهج له حجّية ذاتيّة؛ لأنَّه يعتمد في مراحله الاستنتاجيّة والكشفيّة الأولى على القضايا البديهيّة التي يكون التصديق بها مباشراً وذاتياً، فلا تحتاج في إثبات صدقها إلَّا إلى توجّه النفس إليها وتصوّر طرفيها والنسبة بينهما، أو ما يرجع إلى تلك القضايا البديهيّة، وكذلك يستخدم صوراً قياسيّة بديهيّة الإنتاج كالشكل الأوّل من أشكال القياس، أو ما يرجع إليها أيضاً، ثمَّ يبني على النتائج المستحصلة من ذلك صعوداً في البناء الفكري والمعرفي؛ ولذلك كان القياس البرهاني يفيد اليقين.

الثانية: كما أنَّه يفيد اليقين، فكذلك يفيد الثبات والمطابقة للواقع؛ وذلك لأنَّ من شرائطه أن يكون الحدُّ الأوسط فيه بالإضافة إلى كونه واسطة في الإثبات العلمي، أي في ثبوت الأكبر للأصغر، فهو أيضاً واسطة في الثبوت، أي الواقع، بمعنى كون الحدُّ الأوسط علَّة واقعيّة لثبوت الأكبر للأصغر، كما نقول مثلاً: هذه الحديدة حارة، وكلُّ حارٍ متمدّد، فهذه الحديدة متمدّدة، فنلاحظ أنَّ الحرارة، كما أنَّها كانت واسطة في الإثبات والمقام العلمي، كذلك هي علَّة واقعيّة خارجة لتمدّد الحديدة.

وهذا معنى قول الحكماء: (إنَّ ذوات الأسباب لا تعلم إلَّا بأسبابها) ، وإنَّ البرهان هو الذي يفيد العلم بالأشياء من أسبابها الذاتيّة، وبناءً على ذلك فاليقين البرهاني ثابت؛ لامتناع انفكاك العلَّة التامة عن معلولها، وهو كذلك مطلق، أي غير نسبي؛ لأنَّه لم تحصل نتيجته بالذوق والاستحسان، بل بنحوٍ موضوعي واقعي([1]).

الثالثة: إنَّ هذا المنهج له ميزان موضوعي، لكلِّ أحدٍ أن يتعلمه، ويتمكن من خلاله أن يحاكم النتائج التي تنتج عنه ويعرف صحتها من سقمها، وهي القواعد المنطقيّة والشرائط التي اكتشفها ودوّنها المناطقة له، وهي قواعد موضوعيّة ليست ذوقيّة ولا استحسانيّة.

([1]) انظر: د. أيمن المصري، أصول المعرفة والمنهج العقلي، ص185 – 186.

من كتاب  الدِّين والفلسفة وجدليَّة العلاقة بينهما



займ на картукредит онлайн