التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 28 سبتمبر, 2014
المشاهدات: 2٬185
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الإنسان ….

ذلك الكائن الذي إذا ما نظرنا في تاريخه وإلى ما وصل إليه في حاضره بالمقارنة مع جميع ما حوله من الكائنات أمكننا أن نكتشف الكثير عن مميزاته التي يتمتع بها وربما كان باستطاعتنا اكتشاف سبل التغيير نحو الأفضل وأسباب الانحدار نحو الأسوأ.

فلكي نستطيع التمييز بين ما هو صالح للإنسانية عما يعين على دمارها لابد لنا من سبر تاريخه والتطلع إلى مقارنة أحواله وتعرف خصائص مراحله عموم الأحداث التي كانت ترافقه سواء بتأثيرها فيه أم تأثيره فيها إذ بذلك يمكن لنا المقارنة والحكم من خلال معرفة أسباب السعادة والشقاء وبالتالي يظهر لنا ما الذي يجب إصلاحه وما الذي يجب التمسك به وفي أي طريق يقع تحقيق غايتنا.

فهل صحيح أن الإنسان يسير نحو التقدم والرقي دائما؟ وهل من الصواب القول بان حال الإنسان قد فاق الحيوان والنبات في جميع مفاصل الحياة أم هناك جوانب لا زالت بدائية في الإنسان ولا تفوق غيره من الكائنات بل ربما خصوصياته وقدراته أوجبت صيرورة حاله أسوء من جهتها؟

هل صحيح أن مقياس الرقي في الجانب المادي للإنسان فقط؟ وما هي أسباب عدم الرقي في غيره؟ وما السبيل إلى تصحيح المسار وتدارك الأخطاء؟

كلها أسئلة سنحاول الإجابة عليها مع غيرها من الأسئلة التي ستبثق خلال الحديث محاولين الإضاءة على ما عله يشير إلى سبيل نجاتنا.

الوجه المشرق للإنسانية

في البداية البعيدة الجدا عن حاضرنا كان الإنسان نظرا لحاجته إلى أمور كثيرة ليستمر في العيش يقوم باستخدام ادواته الطبيعية بالتصرف فيما حوله من نباتات وحيوانات ليتوصل إلى تحصيل حاجاته واحساسه بالاكتفاء.

فبدل أن يكتفي بالنبات والثمار التي تجود بها الطبيعة عليه في أوقات بعينها وأماكن خاصة اكتشف كيف تنمو فعمد إلى الزراعة.

ولم يكتفي بأكل ما تعطيه الطبيعة كما هو بل بدأ يخلط بين أصنافها ويستعمل الماء والنار في تغيير طعومها والتوابل في إضفاء نكهات جديدة.

وبالتالي صار يتدخل بإيجاد ما يحتاجه ويتصرف فيه وليس فقط ينتظر ما تجود به الطبيعة ابتداء فقرب إليه ما بعد عنه وصار يحصل بجهد أقل ما كان ملزما ببذل جهد أكثر لتحصيله.

فالماء مثلا بعد أن كان الإنسان يحتكم في اختيار موطنه إلى مواطن تواجد الماء استطاع أن يستقل عنه وينقل الماء إليه باكتشاف الآبار أو صناعة حاويات المياه أو المجاري والقنوات.

وبدل أن يلاحق الحيوانات ليستفيد من لحمها وألبانها كلما أراد ذلك جلبها إليه وكون لها حظائر وصار يستفيد منها كيفما شاء.

وبدل ان يكون خاضعا للطبيعة فيما توفره له من أماكن صالحة لأن يأوي إليها راح يستفيد من أحجارها وأشجارها ليبني له مساكن أينما يرغب وبالهيكلية والسعة التي تتناسب مع حاجاته.

وهكذا شيئا فشيئا زادت الاكتشافات والاستفادة من الطبيعة فاستخدم ظهور بعض الحيوانات ليركبها في تنقلاته بدل أن يتكل على قدميه فقط ثم صنع حاويات تربط فوق ظهورها ثم عجلات وحاويات تجرها.

ومن حفظ الحوادث وسرد القصص بالمباشرة انتقل إلى الكتابة فدون الأحداث والخبرات وصارت استفادة بني نوعه فيما بينهم أيسر وأزيد نفعا.

وبدل السعي لجني كل ما يحتاجه بنفسه اهتدى إلى المبادلة مع إخوانه فيما يملك ثم اهتدوا إلى ما هو أيسر فجعلوا نوعا بعينه أيسر حملا ونقلا أساسا في المبادلة فكانت النقود.

وكلما تقدم الزمن كان اللاحقون ينطلقون في ازدياد اكتشافاتهم مما وصل إليه السابقون واستمرت وتيرة الترقي في توفير أكبر قدر من الحاجات والرغبات بأقل قدر من الجهد حتى وصل الحال بالإنسان إلى ما هو عليه الآن.

فتطورت صناعة الأطعمة والمساكن ووسائل النقل والمبادلة وكل ما يحتاجه الإنسان من أصغر الأشياء إلى أعظمها صار نيله أسهل وصلاحيته لتلبية الحاجات أشد.

والآن أصبح الإنسان يملك ما لا يستطيع السابقون من بنيه أن يتخيلوه بحيث أنه وهو جالس في بيته يستطيع أن يجلب أكثر ما يريد إليه دون أن يتحرك.

وإذا ما تحرك فما كان يحتاج تحصيله إلى أيام وشهور وسنوات يجد أنه قادر على نيله ببساطة، فبساعات قليلة استعاض عن شهور يمضيها في التنقل، وبدقائق قليلة استعاض عن ساعات في اعداد طعامه، وثوان معدودة أصبح قادرا أن يتواصل مع من يريد هو جالس في مكانه.

أما بالنسبة إلى الأخطار والآلام والأمراض فبدل أن يستسلم لها عمد إلى اكتشاف ما يدفعها ويعالجها فتنعم شيئا فشيئا بأمان من جهتها وصارت في آخر الأمر رغباته سهلة التحصيل وآلامه متيسرة الدفع.

وفي النهاية كون المجتمع البشري مؤسسات لكل شيء لتوفير حاجات الأفراد وتسعى إلى تقدم نحو الأفضل من هذه الجهات كلها.

ومن الكتابة والتدوين إلى القراءة والتعليم وصولا إلى تأسيس المدارس والجامعات وانتهاء بالدراسة عن بعد كل ذلك أدى إشاعة العلم والرقي المعرفي في شتى المجالات التي يحتاجها الإنسان في تحصيل الرغبات ودفع الآلام.

علوم متعددة واختصاصات متنوعة ونتاج غزير وسهولة في العيش بشتى مظاهره شيء كان لا يستطيع أوسع الخيالات أن يصل إليه في قديم الأيام بل في قريبها حتى.

هذا ما عليه الإنسان من القدرة الخلاقة وما وصل إليه من الرقي الفائق وإذا ما حاولنا أن نقيسه بما حوله من الكائنات لامتنع القياس وانعدم وجه الشركة إلا في بدائيات الحاجات لا في تنوعها ولا في وسائل تحصيلها.

إن الأمر أوضح من أن يتكلم عنه وبعد الفارق يزهد في القيام بمقارنة بين الإنسان من جهة والنبات والحيوان من جهة أخرى فأين غير الإنسان من الإنسان الكائن الذي سخر كل ما حوله وسهل كل ما صعب عليه وقلب المعادلة وبدل أن يتحرك إلى مواطن تحصيل رغباته وحاجاته جعلها هي تتحرك إليه وبدل ان يكتفي بأصناف وأشكال الطبيعة تصرف وأبدع واخترع فازداد قوة وسلطة.

 

محمد ناصر

عضو الهيئة العلمية لأكاديمية الحكمة العقلية