التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 20 سبتمبر, 2014
المشاهدات: 1٬736
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

الوجه المظلم للإنسانية

ولكن ……

للإنسان وجه آخر.

فللإنسان مشاعر وحالات مختلفة كما له حاجات متعددة إنه يحب ويبغض إنه يغبط ويساعد ويحقد ويحسد إنه يرضا وينزعج ويقبل ويرفض.

إنه يفرح ويحزن ويخاف ويطمئن إنه يصدق ويكذب ويفي ويخون ويثق ويشكك.

إنه يكسل وينشط ويتحمس ويتقاعس إنه يشارك ويستغل ويطمع.

إنه يحس ويتخيل يخطئ ويصيب ويتوهم إنه يعتاد ويأنس ويألف ويستوحش ويستغرب….

إنه يتأثر بترغيب غيره له وترهيبه كذلك بتشجيعه وتهديده إنه ينخدع ويحتال عليه….

كل هذه الحالات والمشاعر كانت مصاحبة له وملاصقة إياه في عملية سعيه وتحصيله لحاجاته وتتدخل في رسم سير حياته.

كما أن حاجاته لم تقف عند حاجات الملبس والمسكن والمأكل والمشرب والنقل والانتقال وحاجته للعلم لم تقف على ما يحتاج لمعرفته في تلبية تلك الحاجات بل إن حاجاته تعدت ذلك وطلبه للعلوم فاق حدود تلك المعارف.

فكما كان له رغبات في حاجات جسده كان له رغبات في المعرفة واستكشاف العالم بل في استكشاف نفسه من أين أتى؟ وإلى أين يسير؟ وهل موته فناء أم انتقال إلى حياة؟ وإن كان بعد الموت حياة فكيف هي؟ وما الذي ينفعه هناك مما يفعله هنا؟

وهو بحاجة إلى بني نوعه فكيف يتعامل معهم كي يكون الجميع سعداء وهل عليه أن يسعى لمنفعته فقط أم عليه أن يتعاون معهم ويضحي لأجلهم وكيف هي المشاعر والأحاسيس التي يليق أن يضمرها لهم هل يبغضهم أم يحسدهم أم ماذا.

وكيف السبيل إلى السعادة والحياة الطيبة؟ هل بغلبة الأقوى أم بتعاون الجميع؟ ثم ما السبيل إلى تحديد الإجابات على كل ذلك؟ وممن يتعلمه إن لم يهتدي إلى جوابه؟

فهذه حاجات يرى إلحاحها وضرورتها كضرورة مطعمه ومشربه ومسكنه وكما كان جوعه سيؤدي به على الموت إن لم يأكل ومرضه سيقوده على الهلاك إن لم يعالجه فكذلك أي اختيار ومعاملة واعتقاد سيؤدي على النتيجة المرضية؟

لكن تلبية هذه الحاجات وتحصيل تلك الإجابات لم يكن متيسرا لكل أحد كما هو الحال في اكتشافه وصناعته لموجبات رقيه وتطوره حيث لم يكن متيسرا لكل أحد بل كان وعلى مر التاريخ أناس قلة هم الذين يكتشفون ويبدعون ويخترعون فيستفيد الآخرون مما وصل أولئك إليه ونالوه بجهدهم ولكن دون عناء منهم.

فكما أن تطور الحياة المادية وتحصيل الرفاهية لم يكن إلا على أيدي ثلة قليلة والباقي كان منفذا ومستفيدا فكذلك الحال في تلبية هذه الحاجات والإجابة عن تلك التساؤلات لم يكن مقدورا لكل أحد ولا متيسرا لكل طالب.

وكما كان هناك من يبحث بصدق ويفتش عن الإجابات بإخلاص هناك من حاول استغلال حاجات الناس انطلاقا من رغبته بالسيطرة والشهرة والراحة فاحتال واتخذ الدجل طريقا وهناك من ليس يناسب أهواءه تعاون الناس بل يرقى باختلافهم ويقتات على قتالهم ويصيب لذته من جهلهم.

وإذا ما نزلنا إلى ميدان الإنسان لنطلع على كيفية سيره من هذه الجهة فسنجد أنه ومنذ أن بدأ الإنسان يسعى لتلبية حاجاته اصطدم مع من يشاركه في تلك الحاجات وتنافس معه على تحصيلها فنشأ الصراع فقتل الإنسان آخاه ليذوده عما ينافسه به أو حسدا لنيله ما ليس عنده وسرق إخوانه وسلبهم أملاكهم فاحتال وخدع وسعى جاهدا لامتلاك القوة التي ترهبهم وتجعلهم يخضعون له.

ومنذ ان تكونت الأسر ونشأت العوائل والقبائل بتكاثر بني الإنسان بدأت العصبيات والصراعات بنحو أوسع وصار لكل جماعة أهدافها وعاداتها وسعت كل منها لتحصيل أكبر قدر من حاجاتها مما استدعى أن تكون ذات سيطرة فاحتاجت إلى القوة ووسائل ترهيب وقهر فبدأ الظلم بسلب الآخرين ما لهم والذي مبدأه تفضيل النفس والجماعة على غيرها.

فالناس متساوون إلا أن الفرد وكذا الجماعة لم يكن ينظر أي منهم إلى أغيارهم إلا نظرة التفضيل وبالتالي إعطاء الأولوية لأنفسهم والنتيجة ادعاء الحق لهم بالتحكم بالأمور.

فكل ما رغب فيه الإنسان واشتهاه قد صار محل صراع وسلب ونهب وتعد فلم يكفي الإنسان أخطار الطبيعة والحيوانات بل صار أخوه الإنسان خطرا أيضا فصار السعي لإيجاد وسائل الدفاع والقهر ألح بل يحتاج إلى تطوير وتغيير لأن القدرة على الإبداع والاختراع حاصلة للجميع فصار التنافس من كل منهم في اختراع أدوات تفوق أدوات المنافسين لهم فتنوعت أدوات الدفاع والهجوم.

وإذا نظر ناظر في تاريخ الإنسان لوجد الحروب وحملات السلب والنهب مصاحبة له في كل حقبة وفي كل عصر فكان التطور يسير بمحاذاة القهر وكلما ازداد تطورا ازدادت أدوات القهر شراسة وقسوة.

وعلى صعيد آخر فإنه وكما كان اتباع بني البشر لبعضهم البعض في الاكتشافات والاختراعات فكذلك كان اتباعهم لبعضهم البعض في الآراء والاعتقادات والعادات والتقاليد فتكونت نتيجة لذلك المذاهب والفرق والعصبيات فلم يكفي المجتمع البشري عصبيات القبائل والعوائل فانضم إليها تعصب الآراء والعادات فانضم إلى موجبات الصراع موجب آخر.

وإذا ما نظر ناظر إلى ما آل إليه حال البشر من هذه الحال فسيجد أن الوضع على ما هو عليه فالبشر هم البشر حروب وصراعات وعصبيات ومذاهب وأحزاب.

والغريب أننا نجد لكل فكر أتباعا ولكل مذهب وحزب أنصارا مع تباين الأفكار وتناقضها ولذا لا زالت صراعات قديمة بقدم البشرية هي نفسها قائمة ولها هواتها والمدافعين عنها والمقاتلين في سبيلها.

وهذا بخلاف حالهم في استفادتهم من عالم الطبيعة فإن كل رقي يحدث في أقصى الأرض يسعى من هم في الطرف الآخر للإستفادة منه فشمل التطور كل ارجاء المعمورة.

فمسيرة البشرية في الجانب المادي كانت طولية تراكمية نحو الرقي أما في جانب الاعتقادات والسلوك والتعامل في ما بينهم فلا زالت دائرة الصراع تتوسع لتحيط بكل عصر ومصر بل زاد الأمر سوءا بتطور أساليب الإعلام والترويج وأدوات الحرب والقهر فصارت العصبيات أوسع نطاقا.

لا زال البشر مختلفين على نظام الحكم كما على أسس التعامل فيما بينهم وخلافهم حول من له حق السيطرة لا زال يشتد ولا تفوت جماعة أو امة فرصة الاستحواذ على مقدرات أو حرية غيرها من الامم والجماعات بل تسعى جاهدة لذلك.

ولأجل هذا الاختلاف الشديد عمد عديدون إلى اتخاذه ذريعة لنفي الواقعية والموضوعية عن النظم الفكرية النظرية والعملية فاعتبر كل ما لا ينتمي إلى ساح الطبيعة والعلوم والمعارف الخادمة لرغبات الإنسان أمرا لا معنى له.

وإذا ما تصفحنا أحوال هذا الكائن الغريب المسمى بالإنسان فإننا سنجد أن الرغبة في المال والسطوة حدت بعض البشر إلى سلوك دروب تهدد البشرية وتقودها إلى الجحيم فمن تجار المخدرات إلى تجار البشر الذين يختطفون البنات والنساء ليجبروهن على البغاء إلى الذين يخطفون الاطفال ليجبروهم على التسول وجني المال وصولا إلى صناع وسائل الإلتذاذ ذات الآثار المشينة والمشيعة للفتنة والفساد كل ذلك كان له أناس يعملون على إنجاحه ودعمه.

وفي النهاية إذا أردنا إحصاءعدد الأحزاب والمذاهب أو عدد جرائم القتل والاغتصاب أو عدد السرقات أو عدد الفقراء والمعوزين فإن العدد سيكون ضخما ومفاجئا رغم كل ما تمتع به البشر من رقي في تسخير الطبيعة.

التمييز بين نوعين من الناس

ولكن إذا تمهلنا قليلا فسنجد أن الناس في أغلبهم كانو تابعين متأثرين منفعلين أما الباقي فهم أحد قسمين وكل قسم هو قلة قليلة جدا بالنسبة إلى مجموع البشر.

أما القسم الأول فهم أولئك الذين على أيديهم تطورت البشرية او من خلالهم كانت الناس يهتدون ويتعلمون ويعرفون خيرهم من شرهم وصلاحهم من فسادهم لذا تجد في كل عصر أمام مئات ملايين الناس عدد لا يتجاوز المائة من الذين كانوا ذوي تأثير في صالح البشر وتغيير لأحوالهم نحو الأفضل أو تنبه للأخطار والمفاسد ودعوة للإصلاح.

أما القسم الثاني فهم أولئك الذين سعوا إلى التدمير واثارة الفتنة والحث على الحروب وإلى تصوير المخالفين في الفكر كأعداء وأثاروا النعرات العصبية أو أولئك الذين أسسوا الاعتقادات الباطلة والمسالك المهلكة وضادوا كل ما لا يناسب أهواءهم وسعوا للتسلط والتحكم بمقدرات الناس.

وهكذا من بين مئات الملايين في كل عصر وربما أزيد كان أقطاب كل قسم قلة قليلة جدا أما الباقي على كثرتهم فمجرد أتباع ومنفعلين يسعون وراء هؤلاء أو أولئك.

تساؤلات لحل التنافي

إذن ….

كيف السبيل إلى حل هذا التنافي؟ وبأي شيء بلغ الإنسان ما بلغ في تسخير الطبيعة؟ وما الذي حداه إلى أن يبقى في مستنقع الفوضى السلوكية والاعتقادية والتبعية العصبية؟

وأين يكمن حل هذا التنافي؟

إنه يكمن بملاحظة ما عند الإنسان من العقل….

نعم إنه العقل الذي مكن الإنسان أن يسخر كل ما حوله ويرقى في استخدام الطبيعة والسيطرة عليها والرقي نحو ما لا يحصى من الوسائل والطرق لتحقيق الرغبات.

ولأن النبات والحيوان فاقد لهذا العقل بقي حالهم كما هو دون اي تغيير وتعديل.

والعقل نفسه هذا هو الذي هجر وأقصي من ساحة الإنسان النظرية والعملية فأدى إقصاؤه إلى كل هذا التدهور والتفاقم للمفاسد فكان التقاتل والتحزب والعصبية والتفلت الخلقي وسيطرة القوي على الضعيف وخضوع الضعيف للقوي والتبعية الساذجة المبنية على الانفعال لا على الروية والمقاربة العقلية السليمة.

ولكن كيف اعمل الإنسان عقله في جانب واهمله في الآخر؟

إنها معضلة ولكن حلها سهل متى ما نظرنا إلى ما يحكم بني الإنسان في اعتقاداتهم وأفعالهم إنه الإنفعال والانسياق وراء المشاعر والحالات المتغيرة.

فانفعالات الناس اتجاه خطابات أصحاب المشاريع والمذاهب هي التي تحكمت في اتباعهم ورفضهم وانفعالات الناس اتجاه ما اعتادو عليه وما ورثوه هو الذي كون عصبياتهم وانفعالات الناس اتجاه شهواتهم ورغباتهم هي التي حدت بهم لاستغلال الآخرين حتى القهر والظلم.

تساؤلات نحو الحل

ولكن أين يكمن الحل؟

إنه مرة أخرى في العقل ولكن بتحكيمه واتباعه في الإعتقاد والعمل كما حكم في تسخير الطبيعة.

إن الانفعال وافق العقل في السعي إلى الرقي في الاستفادة في عالم الطبيعة إلا أنه خالفه في ضبط الاعتقاد والسلوك فإذا ما حكم الناس عقولهم على انفعالاتهم وقبلوا منها ما يقره العقل فإن اعتقاداتهم وسلوكهم سينحى نحو الاستقامة وإذا توقفوا قبل الحكم ليزنوا ما هم بصدد الحكم فيه بقسطاط العقل وإذا ما تمهلوا قبل الاتباع والتحذب والتمذهب وقاموا بتقويم الرؤية النظرية والأيديولوجية للأحزاب والمذاهب وفقا لما يمليه العقل المتأدب بالبرهان فإن أحكامهم واختياراتهم ستكون خالية من كل إفراط وتفريط.

بالعقل تقيم الآراء وتحسب المذاهب وتحل العصبيات بالعقل يقر قانون السلوك وبالعقل تحكم البشرية لتمضي في اتجاه انسانيتها.

إذا تعلم الناس كيف يعملون عقولهم ليفكروا تفكيرا صائبا وليسيطروا على انفعالاتهم فإنهم سيجعلون سوق المغرضين بوارا.

لن يجد رؤوس الأحزاب والعصبيات إلا القليل ممن يشتري بضاعتهم المخربة للحياة البشرية ولن يجد تجار المخدرات من يبيعونه ولن يجد تجار الأطفال واللحم الأبيض من يدعمهم ويخفي أسرارهم ولن ولن ولن ….

بالعقل نبدأ لتحرير الإنسان من أسر انفعاله ثم ولكي يصير حرا وانسانا حقا يجب أن يكون تحكيم العقل هو الشعار الذي يرفع ويربى الاطفال عليه في المدرسة والبيت والشارع وأينما حلوا.

بالعقل يجب أن يتمتع الإنسان مهما كانت مهنته فلا سبيل إلى تصحيح المسار إلا بان يقود العقل طريقنا.

إذا استطاعت تلك الكثرة الغالبة من بين البشر والتي كانت على مر التاريخ مجرد تابع ومنفعل إذا استطاعت أن تتعلم كيف تفكر تفكيرا صائبا وعلى اي اساس تتحدد الإختيارات والاعتقادات وتتخذ المواقف وتتحدد المسالك إذا استطاعت أن تجعل العقل أساسا في حياتها اليومية فإن البشرية ستغير مسيرتها لتحاكي في رقيها الإعتقادي والسلوكي رقيها المادي فتنعم بما لم تذقه من قبل إلا ثلة قليلة مهجورة منسية.

إذا استطاع النوع الغالب من الناس أن يكونوا مع العقل فحتى لو بقي أولئك الأشرار واصروا على متابعة أهدافهم فإنهم لن يجدوا إلا الفشل لأنهم لن يجدوا من يتبعهم ومن يساعدهم.

وهذا يعني امرا في بالغ الأهمية وهو أن تحقيق الرقي لم يعد ممكنا على يد ثلة قليلة بل لا بد أن تقوم تلك الثلة التي تعودت محض الانفعال فتتحرك لتغير المعادلة لتتعلم كيف تحفظ إنسانيتها وكمالها بان تهجر النمطية والتسرع والاتباع من منطلق المشاعر والأحاسيس لتتعلم الإختيار من منطلق التعقل والتفكر.

نماذج من الآراء الخادعة

نموذج الحرية

ان مقولة الحرية من المقولات التي يتغنى بها ويجاهد لتحقيقها وتعميمها وهي فكرة تقضي بأن يتحرر الإنسان من القهر والإجبار في شتى أنواع السلوك وبالتالي يمكن اختصارها بعبارة أن تفعل ما تريد ولكن السؤال الأساسي يتعلق في عبارة تريد إذ ماذا نريد وهل للإنسان أن يريد أي شيء ومن ثم ليفعله طالما أنه أراده إن تحديد ما هو الفعل والسلوك الذي يفترض أن تتعلق به إرادتنا هو الذي يقع على عاتقه الشروع في الخروج من المأزق وذلك لأن فعل البشر لما يريدون هو الأكثر انتشارا وإن كان في بعض المجالات كالإعلام والسياسة أقل تحققا وفعالية إلا أنه لو اقتصرنا على تأمل فعل الناس لما يريدون في المجالات الأخرى كالأكل والأفعال الاجتماعية فإننا سنجد أن الاكتفاء في جعل الناس يفعلون ما يريدون لم يجعل الناس أبعد عن الأطعمة الضارة والطرق المضرة كما أنه لم يمنع السرقة ولا الاغتصاب ولا النزاع.

إن فعل ما نريد هو تلقائي ما لم يوجد قاسر أو مانع إلا أن الفساد والخراب ليس ينتج عن وجود القاسر والمانع فقط حتى تجعل الحرية منه والتخلص من كل إكراه هو الحل بل المشكلة تكمن في ما تعلقت به الإرادة أي ما الذي نريده فلأننا نريد ما يقودنا إلى الخراب والفساد فإننا حينما نفعله فإن الفساد والخراب والأضرار تتحقق.

لذلك فإن تحديد ما يفترض أن نريده هو الذي يجب المطالبة به والجهاد لتحقيقه وحيث إن الجامع لكل الأمور التي يمكن أن نريدها أننا نريدها من حيث هي تكملنا وتفيدنا فإذن يجب أن نتعلم المعيار في الحكم على الأشياء أنها كمال أو خير ونتعلم على أي أساس نرجح بين الأشياء التي نريدها.

إذن المشكلة في فقدان المعيار الذي نحدد من خلاله ما هو خير فإذا عرفنا المعيار في الإدراك وطبقناه ندرك ما فيه خيرنا فنريده فنفعل ما نريده وبذلك نكون أناسا أحرار لا أحرارا فقط.

ولكن ما هو هذا المعيار أليس هو عينه المعيار في كل إدراك أليس هو نهج العقل البرهاني الذي يعلمنا كيف نميز بين صفات الأشياء وكيف نعلم خصائصها وآثارها ومن ثم لنحكم عليها أنها خيرة أو ليست كذلك.

إن وجود القهر وكبت الحريات مشكلة ولكن ليس لذاته وإنما لكونه يمنع الناس من فعل ما فيه خيرهم لا فقط لانه يمنعهم من فعل ما يريدون حتى لو كان ما أرادوه فاسدا وإلا لماذا تحارب المخدرات ولماذا يمنع الانتحار ولماذا ولماذا ولماذا…

نموذج تعيين الحاكم من خلال الانتخاب الشعبي

لقد جعل انتخاب الشعب للحاكم إحدى أبرز مظاهر التطور البشري الفكري والسلوكي في عصرنا الحاضر ويتم تصوير الحاكم من غير انتخاب على أنه ديكتاتور دون النظر في ما هو الهدف من وجود الحاكم وهل الطريقة التي نعتمدها لتعيين الحاكم تؤدي إلى تحقيق ذلك الغرض من وجوده.

الكل يقول إننا نريد حاكما عادلا يفعل ما فيه صالح الشعب ولكن لا أحد يفكر من عامة الشعب في الطريق لتحقيق ذلك وإنما يعتبرون أنفسهم قادرين على الاختيار من بين المرشحين لهذا المنصب ولكن المشكلة كيف استطاع هذا الانسان العادي أن يحيط علما بمقومات وشروط الحكومة العادلة والخيرة ثم كيف استطاع أن يحكم بتمتع هذا أو ذاك بتلك المقومات والشروط.

هذا الإنسان أو الإنسانة الذين لا زالا يعجزان عن اختيار زوجة أو زوج لحياة أسرية أبسط بكثير جدا من حياة دولة وأمة كيف يعرف كيفية اختيار حاكم للأمة والشعب هذا الإنسان الذي لازال يتخبط في اختيار اصدقائه وكيفية معاملتهم أو في ادارة بيته أو مؤسسته كيف امتلك الأهلية لاختيار رئيس للبلاد كلها.

إنها مفارقة مضحكة أن نعرف ماذا نريد وهو الحكومة العادلة الخيرة ومن ثم نختار الطريق الذي يبقى تحقيقه لما نريده مبهما معلقا على ما لا نعرف إلى أين يفضي ثم والأنكى من كل ذلك أن يعتبر هذا الطريق المبهم هو رمز الرقي والتحضر.

غالبا ما يروج للنظام الديمقراطي بالتركيز على النظم الفاسدة الأخرى كحاكمية الفاسد الذي لا يراقبه أحد ولا يتدخل في حكمه أحد فيقال عنه ديكتاتور أو كحاكمية الطبقة الغنية الفاسدة ويقال أرستقراطية فاسدة ويصور الأمر وكأنه لا مجال إلا لأحد هذه الوسائل ويغفل وجود طريق آخر يعتمد في العديد من المجالات الأخرى كما في أدارة الشركات الكبرى والجيوش والمستشفيات ومراكز الأبحاث العلمية والجامعات حيث يكون لعملية الاختيار المعايير التي تحفظ إلى حد كبير تحقيق الغرض من تعيين المدير أو الطبيب أو المتخصص أو القائد العسكري وهو صلاح تلك المؤسسة وتحقيق تطورها ورقيها وذلك عبر إيكال التعيين لأهل الخبرة والدراية والتخصص في ذلك الموضوع الذي خبروا وعرفوا خصائص من عينوهم ورشحوهم لذلك المنصب بعد أن عرفوا المعايير والشروط التي توصل إلى الهدف .

فلماذا هذه الازدواجية فهل يراد إلهاء الشعب بحق الانتخاب عن القضايا الأساسية إذ أكثر عامة الناس لا يعنيهم أكثر من هم المأكل والمشرب والمسكن والملبس والجاه والشهرة وربما يضاف العلم كوسيلة للمال في أغلب الأحيان فهل يراد إرضاء الناس بتحقيق هذه الأمور على فرض تحققها بنحو عادل ومنصف ثم ترك عنان القضايا الأخرى التي تتحكم في الرقي الإنساني ألأخلاقي والمعرفي بايدي من يخافون من أن تسود العدالة الحقيقة لأنها تقيد اطماعهم وتحد من ثرواتهم وسلطتهم.

 

للاطلاع على الحلقة الأولى من المقال الرجاء الضغط هنا

 

* عضو الهيئة العلمية لأكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн