الفكر البشري مسيرة السقوط وسبيل النهوض – الحلقة الثانية | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 27 يناير, 2015
المشاهدات: 1٬784
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

تتبّع أسباب السقوط

إذا كان الحال كذلك، فحريٌّ بنا أن نجمل الأسباب التي حدت بالفكر بالبشري إلى ما هو عليه؛ لتظهر مناشئ التشرذّم الفكري والانحطاط الأخلاقي، والموانع التي أعاقت سلوك طريق العقل، ثمَّ البحث في طرق العلاج والمداواة حتى تستعيد الإنسانية عافيتها، إن لم يكن في حاضر الأجيال ففي مستقبلها.

وفي ما يلي أربعة أسباب لعلَّ بعضها تبيّن ممَّا سلف :

الأوّل : فقدان المنهج

قد علمت أنَّ ما راج من صناعة المنطق وقواعد التفكير على مرِّ التاريخ في الغرب والشرق هو القسم المتعلّق بضوابط صورة الدليل، حتى اشتهر القول بأنَّ صناعة المنطق لا تصلح مرجعاً لتأمين الوصول إلى الحقيقة.

وقد علمت أنَّه قول صائب بالقياس إلى ما تناقلوه وروجوا له، منها أمّا بالقياس إلى صناعة المنطق بما يشمل صناعة البرهان، فليس في صفحة الإمكان طريق سواه كيف ؟ وهو يرتكز في كلِّ تفاصيله على قاعدة امتناع اجتماع النقيضين، ويعطي لكلِّ آداةٍ من الأدوات المعرفية كالحس والحدس والوحي نطاقه الخاص، ويؤسس الضوابط اعتماداً على القاعدة الأُمّ، التي بمراعاتها يضمن العقل يقينية النتائج الحاصلة عن تلك الأدوات، كما تبينا ذلك بإيجاز سابقاً، ولذلك سيكون العقل سائساً ومدبّراً لباقي الأدوات بغرض ضمان الغرض من كلِّ بحثٍ فكري أو علمي وهو الوصول إلى الحقيقة.

وبالجملة، إنَّ فقدان المنهجية العقلية المؤمنة لعصمة الدليل من جهة المضمون هو أولى الآفات التي عصفت بالفكر على مرِّ العصور إلى حيننا هذا، ممَّا أدّى إلى ركام هائل مخيف من النظريّات والآراء التي راح ضحيتها إنسانية الإنسان.

والذي دعى إلى استبعاد صناعة البرهان – من قبل جملة من متكلّمي الأديان وأخباريهم في اليهودية والمسيحية والإسلام – هو ما تحتم هذه الصناعة على من يستخدمها مراعاته في الإعتقاد والأخذ بأيِّ قضيةٍ من تأمين ضوابط اليقين، وبالتالي ستكون كثرة كاثرة من القضايا المسلّمة والعقائد المعتنقة موضع تمحيص، كما سيكون المتدين المتسلّح بها يقظاً عاقلاً يرفض تمرير ما يريد دعاة التسلط والشهرة في هذه الأديان غرسه في أذهانهم، وبالتالي تسخيرهم لتحقيق مآربهم وخوض حروب ونزاعات تصبّ في صالحهم وتضرّ بجوهر الدين.

مضافاً إلى أنَّ تطبيق المنهجية العقلية المؤمنة لعصمة الدليل والحافظة للعقل عن أن يعتقد أو يرفض إلَّا طبقاً لاستلزام منافي الاعتقاد أو الرفض للجمع بين النقيضين، سيسدّ الباب على كلّ من يتقول بلا دليل استحساناً واشتهاءً، كما سوف يؤدي إلى توحيد الأديان والطوائف والمذاهب، لأنَّ الواقع – الذي هو واحد لا تعدّد فيه – سيقضي إدراك العقل له فيما له أن يدركه بتوحيد الاعتقاد بما هو كائن وبما ينبغي أن يكون، وحيث إنَّ المشرّع لكلِّ هذه الأديان إنَّما شرّعها ليبيّن لهم الحقيقة والواقع، أي ما هو كائن وما ينبغي أن يكون فيما لا سبيل للعقل إلى إدراكه، وليعاضد العقل فيما له، فالنتيجة ستكون ديناً واحداً وملة واحدة، وهذا ما لا يرضي على الإطلاق كثيراً من القيّمين على أمر تلك الأديان ومتدينيها؛ إذ بدون الاختلاف والتناحر لن يكون لأغراضهم ومآربهم سبيلاً لأن ترى النور.

والنتيجة فإنّ تجزئة المنطق وحذف صناعة البرهان جعل من علم المنطق عبئاً، وجعل من العلوم المبنية عليه أقوالاً تتقلد في كثير من مسائلها، ممَّا أحدث فيما بعد في الغرب ثورة على التعاليم المدرسية لما سببته في منهجيتها التلقينية في كثير من مواطنها والظنية في أخرى من الركود العلمي، ففتح باب التفلسف بلا منهج برهاني، فتعدّدت المذاهب بتعدّد المفكّرين.

الثاني : العصبيّة والتبعيّة

من شروط التفكير الموضوعي أن يكون المستدل مترقباً للنتيجة التي يؤدي إليها الدليل، ومتهيّأً للإذعان لها بعد تأمين الشروط الموضوعية للإنتاج الحقيقي له.

أمَّا إذا كان متلقفاً للقضية مسبقا تبعية للغير المحمود عند نفسه، أو نفوراً من نقيضها أو ضدّها نتيجة العوامل النفسية التي تعصف بالبشر، فإنَّ إقامة أيِّ دليلٍ سوف تكون بمحاذاة ذلك الموقف، فينعطف سير الاستدلال تلقائياً عن قصد أو غير قصد نحو إثبات تلك النتيجة المتبعة أو نفي الأخرى المتنفر من القائلين بها.

فهذا الخلل الأخلاقي والنفسي يصير حجاباً عن مراعاة ضوابط يقينية المادّة، وبالتالي لن يتحكم بالنتيجة معيار موضوعي، وإنَّما تختلف النتيجة باختلاف الموقف النفسي، وحيث إنَّ تكثر وتبدل المواقف النفسية عند بني البشر عصي على الإحصاء كانت النتائج والآراء متكثرة بالنحو الذي هي عليه.

أمَّا لو تمت مراعاة الضوابط التي يستدعيها طريق الحقيقة، فالأمر بالعكس، فإنَّ صناعة البرهان من الشرافة بمكان، بحيث يأبى العقل في عقد أيِّ قضيةٍ عند ذكر الموضوع أن يحمل عليه أو يسلب عنه أيُّ محمول إلَّا عند توفر ما يقتضي ذلك المحمول، أو رفعه بنحوٍ أنَّه لو لم يحمل عليه مع اقتضاء الحمل، أو حمل مع اقتضاء عدم الحمل، للزم الجمع بين الشيء ونقيضه؛ ولذلك ينحفظ الفكر على صراط لا يتزحزح عنه، وفي ذلك استكمال القوّة النظريّة وراحة العقل واكتفاؤه.

 

 

الثالث : الفردانيّة والشخصانيّة

إنَّ إحدى أهم المصائب التي أصيب بها الفكر في القرون المتأخّرة ـ بعد التمرّد على المدرسيّة التي سادت في العصور الوسطى ـ هو تلوّن الفكر بحالة الاعتزاز والاعتداد النفسي للإنسان بذاته ورأيه، بحيث أسدل الستار على نتاج الفكر السابق ـ وإن ظاهراً ـ وصبَّ كلُّ من حاول أن يحتلب أفكاره جهدَه على تقديم رؤاه المستحسنة والمستنسبة والمجبولة بالاختلالات النفسيّة التي رسمها عصره على لوح نفسه، وصار الهمُّ الشاغل لكثيرين كيف يقدّم أرجوزة فكره، فتراهم وكأنّهم قد اجتمعوا شعراء متبارين، كلٌّ ينشد قصيدته وخلف كل منهم نفر قليل يرتلون أبيات صاحبهم.

فكان أن مُني الدهر برجل كدايفد هيوم، حيث أعاد إحياء فتنة التشكيك بهدم قانون العلّية وضوابط يقينية التجربة، فغرق وأغرق جلَّ من لحقه في متأخر القرون والعقود في مستنقع النسبيّة، وعبّد الطريق للتنطح بأعاجيب أفكار وأقوال ذات فحيح، فسمّمت عقول أغلب المفكّرين، وصار الفكر ليولد جاهزاً بما يناسب صاحبه، فكان على التاريخ أن يمنى بأمثال باركلي وكانط وفتجنشتاين، وجماعة فينا وسارتر وبوبر، ذريّة بعضها من بعض، لو أردنا تعداد أبطالها لاحتاجت عدة صفحات، خصوصاً إذا ضممت إليهم مواليهم من المشرق العربي ومغربه.

وجليٌّ أنَّ التفكير الموضوعي يستدعي من طالب الحقيقة أن يتعالى على كلِّ المشاعر والدوافع النفسيّة، بحيث يتوحد همّه ويغفل عن ذاته؛ لذلك ولمّا كان المحرّك كلاً أو جزءاً هو الرغبة في إبراز الأنا والأنفة عن موافقة الغير؛ لكونها أخمل للذكر، وإن كان للحق فيه نصيب ،صارت عجلة الفكر تميل هنا وهناك، وانطمست معالم الطريق، ورفعت هنا وهناك الرايات، وكأننا في صحراء الجاهليّة.

الرابع : الشعوذة الفكريّة والسفسطة

قديماً ـ ونتيجة لأسباب عديدة، منها: غياب المنهج الفكري، والرادع الخلقي، والتوق إلى التربع على عرش الشهرة ـ راج سوق السفسطة والبعثرة الفكرية والجدل بداعي الإفحام وإعلاء الكعب على منبر الجمهور، فسقطت كلُّ الحدود، ولم يعد يعنى بمراعاة ضوابط العلوم في مقام المحاججة أيّاً ما كان العلم، ومهما كان تضلع المجادلين فيه ضئيلاً، وصار الفكر ينعى نفسه إلى أن برز من أنقذ الفكر وأحيا روح العلم والفضيلة، ولكن لعبت الأحداث لعبتها ومرّت العقود ثمَّ القرون وعاد الإنسان ليسير عين المسير ويقع فريسة السفسطة من جديد، ويصبح الفكر كالطائر يغرّد ويطير حيث يشاء ويحطّ على أيِّ غصنٍ أراد.

وبدل أن يعتبر اللاحقون بمن سبق ترى أناساً هنا وهناك يتحسرون على بوار سوق السفسطة، ويعتبرون عصر منهجة الفكر قيوداً وسلاسل أعاقت الإنسان، لينطلق فيمموا وجهة الفكر لتشييد دعائمها، ورفض كلّ قيدٍ، وصارت ممارسة التفكير الإنساني فنّاً تعدّدت ألوانه كتعدّد الأنغام والألحان.

والأنكى من كلِّ ذلك، أن شيّدت المدارس لتعليم الجدل المشاغبي، وصار صاحب كلِّ فكرٍ أقصى ما له من همٍّ تقديم ما يقنع به الغير، ويكفّ عن فكره النقوض، وكأنَّ اعتقاداتهم قد عُلّبت وصار الهمّ منع تسرب التلف إليها والعمل على تحصينها، حتى تكون الأكثر رواجاً ومقبولية، فانقلب الإنسان رأساً على عقب، فبعد أن كان بوحي فطرته يسعى لاستكناه الواقع والإجابة عن تساؤلات وجدانه، أغلق الكتاب ورمى به في الموقدة، واستوردت الأفكار، وصار الفكر بالتباري على تشييد الحصون، وإن كانت القلاع خاوية من كلِّ خيرٍ.

وليس يخفى ما في ذلك من العتو والشعوذة والاستنساب غير البريء، ممَّا يضع الوعي الفكري على حافة الهاوية لينزلق به بلا رجعة.

 

المخرج والحلّ للنهوض

بعد عرض هذه الأسباب والتي هيّأ ظهور بعضها لظهور الآخر، صار بالإمكان تحديد ما ينبغي على الإنسان بمقتضى وفائه لإنسانيّته ووعيه بكرامة عقله أن ينحى نحو تشييده بالسعي لقطع دابر تلك الأسباب؛ لردء الصدوع فيما بقي من بنيان الفكر وإعادة البناء لما هدمته عجلة التاريخ.

أمَّا قطع السبب الأوّل، فبتشييد صرح صناعة البرهان عبر تأصيل أسس المنهج العقلي الشريفة، وتصفية المنطق الصوري من الفضول واللغو الذي حشرته أصابع المتكلّمين فيه، والعمل على الترويج والبسط لقواعده، بتصنيف المناهج الدراسية لمختلف مراحل الدراسة لتعنى بتربية العقول منذ الصغر على الاستدلال القويم، والعمل على ترميم صناعة المغالطة، بإضافة التطبيقات على السقطات التي عام بها الفكر الحديث سناً والمتخلّف وعياً.

أمَّا قطع السبب الثاني والثالث، فبتهذيب النفوس وصقل الوعي وتوجيه الهمّ الإنساني نحو بناء الإنسانيّة، وتبيين المخاطر والمزالق التي أدّى إليها كلا السببين حتى ينعقد العزم على تغيير الواقع المرير، مضافاً إلى إحياء الدافع لإدراك الواقع والحقيقية والعمل لتحقيق ما هو كمال وسعادة حقيقة.

أمَّا قطع السبب الرابع، فمضافاً إلى ما ينبغي لقطع سابقيه ينبغ العمل على فضح الألاعيب والشعوذات، والكشف عن الأغراض الدنيئة التي رام أصحابها تحقيقها والترويج للآثار السلبية الخطيرة التي تسببوا بها، وقد نجحوا للأسف إلى حدٍّ كبير في ذلك.

كل هذا يتطلب تجميعاً للنفوس الواعية بالخطر المحدق والتكاتف يداً واحدة؛ لننجو بإنسانيّتنا قبل أن يفوت الأوان ولا تبقى إلَّا الحسرة.

وفي الختام، لن يجد الإنسان الطالب للحقيقة والنجاة والباحث عن السعادة والكمال في جميع شؤونه وأحواله، إلاَّ عقد العزم على تعلّم منهج العقل الرصين، ومن ثمَّ ليميّز بين الحقيقة والزيف، فيعلم بما هو كائن وبما ينبغي أن يكون عليه سلوكه؛ ليضمن سعادته فرداً وأسرةً ومجتمعاً، فيضمُّ إلى همِّ سعادة ذاته همَّ سعادة أقرانه وبني نوعه، ليعملوا معاً لتركيز دعائم الوصول للغاية القصوى، وإعاقة ذوي النفوس المريضة والعقول المطموسة عن المضي قدماً في هدم الإنسانيّة وزرع الفساد في الفكر والعمل.

 

للاطلاع على الحلقة الأولى من المقال الرجاء الضغط هنا

محمد ناصر

عضو الهيئة العلمية لأكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн