الفكر البشري مسيرة السقوط وسبيل النهوض – الحلقة الأولى | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 27 يناير, 2015
المشاهدات: 1٬914
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

المدخل

إنَّ تفحصاً لما أورثه لنا التاريخ من الآراء والنظريّات والمذاهب الفكريّة – سواء في تقرير ما هو كائن وما كان يعرف بالحكمة النظريّة، أو ما ينبغي أن يكون ممَّا عرف بالحكمة العمليّة – ليعدّ كافياً في نظر العاقل للحكم بمدى التشرذّم والتخبّط الذي انحدر إليه الفكر البشري، منذ أن سعى ليمزِّق خيمة الجهل ويكشف اللثام عمَّا احتجب عنه.

وما أشدَّ الحيرة التي يمنى بها الباحث عن الحقِّ والحقيقة، حينما يجد أكواماً من الأفكار يتحتم عليه البحث فيها؛ لمعرفة صوابها من خطأها وحقِّها من باطلها، ليقيم إدراكه على ما يصفو من كدورة الجهل، وينتظم سلوكه على طريق سعادته وكماله، فيقف حائراً تتلاعب به عواصف أظلم من الليل الحالك، فيحاول جاهداً التمسّك بأرض الحقيقة متلمساً لها بأطراف أنامله.

فغرضه ليس منحصراً بالإدراك بنحوٍ منفصل عن التأثير في فعله وسلوكه، الذي يضمن سعادته أو يقوده إلى الشقاء، بل إنَّ حال إدراكه يتحكم بنحو السلوك الذي سينتهجه، وبالتالي سعادته أو شقاؤه.

فالفعل الإنساني مهما تعدّدت أشكاله ومراميه مسبوق بالإدراك لما يراه الإنسان فعلاً مناسباً له، فيتبعه بإرادته وتنزع نفسه لمراعاته، ضرورة أنَّه كائن مدرك بذاته، وينزع نحو كماله وسعادته بذاته ونزوعه نحوهما مسبوق بإدراك ما هو كمال وموجب لسعادته، وتبعاً لإدراك معنى الكمال الإنساني والسعادة الإنسانيّة، تنتظم حركة الإنسان في جميع الأمور الجزئيّة في شتّى المجالات بلا استثناء، نحو ما يحقّق ذلك الذي تمّ إدراك كونه كمالاً وسعادةً سابقاً، فحتى الذي يقدم على قتل نفسه، إنَّما يقدم لأنَّه يرى في موته سعادةً وكمالاً؛ إمَّا بانتفاء الألم والعذاب الذي يعانيه فيريح نفسه منه بالموت، وإمَّا بتحصيل ما يعتقد حصوله من كمال وسعادة بموته في ظرف مخصوص ولغاية مخصوصة.

ولكم نجد اختلافاً بين بني الإنسان في أفعالهم تبعاً لتباينهم في ما يدركون كونه سعادةً وكمالاً لهم، فمن أصغر الأمور وأكثرها ممارسة، كالأكل والشرب والتحدّث والقيام والجلوس والنوم واليقظة والمشي والنظر والسماع، وغيرها من الأفعال التي لا يخلو كائن إنساني عن شيءٍ منها، إلى ما هو أكبر وأعظم خطراً، كالتعلّم والكتابة والصناعة والفنّ وكسب المال والزواج والإنجاب والبناء والعلاج والسفر والتشارك مع الآخرين والاعتداء والدفاع، وغير ذلك الكثير، حيث نجد فعل الكائن الإنساني ينتظم في سبيل تحقيق ما يراه خيراً له وسعادةً، بنحوٍ يغاير ما يراه غيره وينتظم فعله على طبقه.

وبالقدر ذاته، كم وكم يجد الإنسان نفسه نادماً على فعل أو إحجام ومخطّئاً نفسه في ما اعتقد كونه خيراً وسعادةً له، فكم من طعام أو شراب لذيذ أعقب ضرراً بالغاً، وكم من حركة أو سكون أو مشاهدة أو سماع أعقب ألماً وعذاباً، وكم من سعي لكسب مال أو تحصيل مشتهى أوجب فساداً وحرماناً، وكم من علوم حيزت وصناعات مورست وأسفار حصلت وفنون أبدعت وأعقبت دماراً وأذى، كم وكم هي تلك الأفعال التي نزع إليها الإنسان عن إدراك محصليتها لكماله وسعادته ثمَّ انكشف له الخلاف وأنَّها على النقيض.

والسبب في ذلك أنَّ الإنسان كما هو مدرك بذاته وينزع بذاته نحو ما يراه خيراً، فإنَّه يشتهي ويمقت ويرغب وينفر ويحبّ ويبغض بذاته، فينزع نحو الفعل المناسب لما يشتهيه أو يمقته أو يرغب فيه أو ينفر عنه أو يحبّه أو يبغضه.

وأوّل أحوال الإنسان، ومنذ أن تضمّه لفافة أحضان الدنيا، ينزع نحو ما يسدّ جوعه وعطشه، ويدفع عنه الألم والأسى، ويبحث عمّا يؤنسه، ويفرّ ممَّا يستوحشه، ثمَّ شيئاً فشيئاً ينمو وتنمو معه قواه فتتغيّر المشتهيات والممقوتات لنفسه، وكذا سائر نزوعاته ولكن حينما يواجه حقيقة المغايرة بين ما يشتهيه أو يمقته أو يحبّه أو يبغضه أو يرغبه أو ينفر عنه، وبين ما هو خير وسعادة وكمال تبعاً لمعاينة العواقب المناقضة لما كان يرى ويعتقد، يبدأ بحثه عمَّا يميّز بين ما هو خير وما هو شرّ، ويخوض معركة هي قائمة بالفعل في نفسه، ولكنه يخوضها مع بني نوعه، فإمَّا أن يسير بركب آبائه أو أقرانه أو أيِّ طرفٍ يتأثر به أو يؤثر عليه، وإمَّا أن يفحص ويبحث ليصل فتسكن نفسه، أو لا يصل فيبقى في حيرة وعذاب، أو يستسلم لسلطة نزوعاته أو لطرف من أطراف النزاع.

فبعد أن كان ينزع طبقاً لما يدرك أنَّه مناسب له؛ لكونه محصّلاً لما هو مشتهى أو دافعاً لما هو منفور عنه تبعاً؛ لأنَّ غاية ما كان يدركه عن كماله وسعادته التي ينزع إليها بذاته أنَّها تكمن في اللذّة، ولكن ما أن يدرك الغموض الذي يعتري العلاقة بين اللذّة والسعادة يبدأ تساؤله عن حقيقة كلٍّ منهما، والسبيل إلى التمييز بينهما ليدرك ما هي السعادة حقيقة، فيميِّزها عمَّا عداها، ويضبط أفعاله على النحو الذي يحصل له سعادته، ويكفّ عنه من يناوئه ويدافعه عن ذلك.

تساؤلات حرجة لا تنتهي

ثمَّ إذا تفحص أحوال بني نوعه، فسيجد مدارس ومذاهب متعدّدة ومتكثّرة، والتي كلٌّ منها يضع طريقةً خاصّةً به للحياة ليسلك وفقها مخطّئاً غيره وداعياً إلى الهدي به، ويجد الإنسان نفسه أمام تساؤلات يعسر إحصاؤها، فهل عليه أن يكون علمانياً، أم متديّناً مسلماً، أو مسيحيّاً، أو يهوديّاً، أو بوذيّاً…؟

هل عليه أن يكون عقليّاً، أم باطنيّاً، أم حسّيّاً، أم شكاكاً لا أدريّاً؟

هل عليه أن يكون ليبراليّاً، أم وجوديّاً، أم عقلانيّاً؟

وهل عليه أن يكون نسبيّاً، أم دوجماطيقيّاً، أم موضوعيّاً؟

ثمَّ إذا اختار أن يكون متديّناً فهل سيكون أخباريّاً سلفيّاً، أم متكلّماً ، أم فيلسوفاً، أم صوفياً، أم حداثوياً ؟

وإذا اختار أن يكون عقليّاً، فأيُّ عقلِ يختار: أعقل أرسطو، أم بيكون، أم ديكارت، أم اسبينوزا، أم ليبنتز، أم كانط، أم هيغل، أم هوسرل ؟ أيُّ شيءٍ سيكون ؟

إذ لو أرادنا أن نحصي المذاهب والآراء تعداداً لاحتجنا إلى صفحات، ولكن السؤال بالنسبة إلى الجميع يبقى واحداً: أيٌّ من هؤلاء سيكون ذلك الإنسان ؟ والحال أنَّ كلاً منهم يصوّر السعادة بنحوٍ يخالف الآخر إن لم كلياً فبنحوٍ جزئي، فأين عليه أن يكون ليضمن السعادة ؟ وإذا لم يكن الموت فناء فكيف يضمن السعادة بعد الموت ؟

أفهل يجدر به أن يدير ظهره لكلَِّ ذلك، ويعمل كما يحلو له ولا يبالي ؟! ثمَّ يردّد لنفسه دوماً: ليس هناك صحيح وخاطئ، وحقّ وباطل، كن كما أنت فأنت الأصيل والغاية، ولكن هذا بعينه مذهب من المذاهب ورأي من الآراء، فلماذا يختاره على غيره طالما أنَّه على مسافة واحدة من الجميع.

أم يجدر به أن يسير مع ركب مجتمعه وبيئته ويكون كما هم، فيحمل لواء الانحياز للآباء أو العرق أو القوميّة أو الوطن أو الطائفة… ؟

وهنا يجد نفسه أمام مأزق خطير وعقبة كؤود، ويتساءل: كيف له أن يميّز ذلك؟ كيف له أنَّ يثق أنَّ إدراكه سيكون صحيحاً وأنَّه لن يخطأ كما كان مخطئاً قبل ذلك، أو كما هو حال الآخرين على تباينهم في آرائهم فضلاً عن أفعالهم ؟

وهنا ينبثق تساؤل عن هم آخر وهدف مصيري: كيف ينبغي أن يكون فعل التفكير الذي يضمن إدراك الحقيقة والواقع؟ إذ بناءً عليه يتمكن من الإجابة عن تساؤله الأوّل: كيف ينبغي أن يكون الفعل والسلوك الإنساني حتى تحصل السعادة ؟ وعلى أيٍّ من المذاهب والأراء ينبغي له أن يكون لتسكن نفسه ويطمئن قلبه ؟

تساؤلات تقود إلى الحلِّ

وهذا بدوره يستتبع تسلسلاً قهقرائيّاً من التساؤلات:

هل هناك ما يبتدأ منه في التفكير يكون حقيقةً وواقعاً؟ وإلاَّ فلن يكون للتفكير أيُّ ضمانٍ في أن يوصل إلى أيِّ حقيقةٍ أو واقع.

أم أنَّه يجب البدء من الشكِّ كما فعل رنيه ديكارت ؟([1]) ، ولكن ديكارت لم يبدأ تفكيره من الشكِّ خلافاً لما اشتهر خطأً، وإنَّما بدأ من علمه بوجوده، وأنَّه مدرك، وأنَّ النقيضان لا يجتمعان، وإن أخفى ذلك؛ وإلاَّ لاستحال عليه أن يفكّر ويشكّك في آرائه وموروثاته.

وإذا كان التفكير متقوّماً بالشروع ممَّا هو معلوم، فلا بدّ أن يكون ذلك المعلوم مستغنياً في العلم به عن التفكير، وإلاَّ لن يمكن أن يكون هناك تفكير يوصل إلى علم وحقيقة؛ وبالتالي سيكون بيرون وجماعته اللاأدريون[2] محقّين في ما ذهبوا إليه؛ وبالتالي الاكتفاء بالعمل على طبق ما هو مشهور ومظنون ومعتاد.

ولكن أليس هذا بعينه تفكير يبتني على ما هو معلوم حقيقة ؟! فلولا علمهم بوجودهم وعلمهم بشكّهم وعلمهم بأنَّ النقيضين لا يجتمعان، لما كان بإمكانهم استيثاق العلم بشكّهم؛ إذ بعلمهم بأنَّ اجتماع شكّهم وعدم شكّهم معاً محال ووجدانهم الشكّ في نفوسهم استوثقوا علمهم بالشكّ.

أليس اشتراط كون ما ينطلق منه التفكير معلوماً حقيقة هو بنفسه حقيقة معلومة؟! لأنَّ فرض خلافها فرض اجتماع النقيضين؛ إذ كون نتيجة التفكير حقيقة يستدعي أن يكون ما بنيت عليه حقيقة أيضاً، والحال أنَّه ليس كذلك حسب الفرض.

إذن، لماذا لا يبتدأ التفكير ممَّا هو معلوم حقيقةً ؟ ويوضع جانباً كلَّ القضايا والآراء والمشاعر والآحاسيس والاستنسابات والتخمينات التي تلقى وتقال من كلِّ حدبٍ وصوب، ويشرع أوّلاً في تبيين كيف يجب أن يكون حال التفكير حتى يكون موجباً لحصول العلم حقيقة ؟

طرد النسبيّة من ساحة المعرفة وانفتاح باب العلم

ومن أوّل الأمر لن يكون للنسبيّة والتعدّدية موطأ قدم في ساحة المعرفة؛ لأنَّ قاعدة امتناع اجتماع النقيضين ستكون حارساً تعجز أيُّ قضيةٍ أن تتجاوزه، بل لا بدّ أن تستند في صدقيتها وواقعيتها إليها، ودعوى النسبيّة والتعدّدية تفرض إمكان اجتماعهما؛ وبالتالي فرض صدقها يستلزم كذبها، ومن هنا يحتم العقل الإنساني تجاوزها وقذفها في قمامة الخطل والجنون.

وإذا تخطينا النسبيّة بثبات اليقين وإحكام رصين، فسينفتح باب البحث عن ضوابط الإدراك اليقيني بالسير بمحاذاة قاعدة امتناع اجتماع النقيضين، والتي منها يرتقي العقل وبأدنى تأمّل ليدرك قاعدة العلّية وقاعدة السنخية وقاعدة القابلية، ثمَّ يتكئ عليها لتبيّن ضوابط يقينية الإدراك الحسي وخصوصية النفس الإنسانية وقواها، فيعلم ما النقص الذي يعتريها وما الذي ينبغي فعله لاستكمالها بما هي نفس إنسانية ذات خصوصيات متعدّدة، وغير ذلك ممَّا يمكن بناؤه من صرح المعرفة اليقينية استناداً إلى قاعدة التناقض والقواعد الثلاثة المتفرّعة عنها.

التفكير السليم هو طريقة العقل في الإدراك

وهذا بدوره سينبّه إلى أنَّ البحث عن ضوابط الإدراك اليقيني لن يكون بحثاً عمّا يجب أن يملى على العقل بعد تحصيله، بل سيراً بالعقل على بساط العتق من كلَّ ما ينافيه، ممَّا يقضي بالتسليم بما لا يستلزم عدم التسليم به الجمع بين النقيضين، فالعقل بذاته ومن ذاته يسلك طريقاً محدّداً في إدراكه تبعاً لما يناسب غرضه، وهو كشف الواقع؛ ولذلك تنتظم طريقة العقل كلّ الخصوصيات التي متى ما توفر عليها الفعل الإدراكي كان موصلاً للغرض.

فالعقل ذاته سيكون مشاهداً لذاته في كيفية تحرّي الوصول إلى الواقع، وهذا يتوقف على منع تعدّي طغيان ما يلزم العقل التسليم بما لا يقضي العقل بذاته بالتسليم به؛ لعدم العلم باستلزامه للجمع بين النقيضين، أو طغيان ما يلزمه الرفض والتكذيب لما لا يقضي العقل برفضه؛ لعدم العلم باستلزامه الخرق لقاعدة التناقض.

فما أن يستقل العقل حتى يحكم بأدنى تأمّل، أنَّ العلم اليقيني بثبوت أيَّ قضيةٍ موجبة أو سالبة، لا يتأتى إلاَّ بكون فرض عدم حمل محمولها على موضوعها في الموجبة، أو عدم سلب محمولها عن موضوعها في السالبة مستلزماً للجمع بين النقيضين.

ومتى ما تأمّل ذلك، فسيلتفت إلى أنَّ ما يكون سلب ثبوته عن الشيء مستلزماً للتناقض ليس إلاَّ ذات الشيء ومقوّماتها وما لا ينفك عنها وعن مقوّماتها من آثارها لكونها لها لذاتها؛ إذ نفي أيٌّ منها سيكون بالضرورة نفياً لكون الذات هي هي، مع أنَّ كلَّ شيءٍ هو هو وليس لا هو، وإلاَّ كان هو ولا هو معاً، وهو جمع بين النقيضين.

ومثله الحال بالنسبة إلى ما يكون ثبوته للشيء مستلزماً للجمع بين النقيضين؛ لكونه مستلزماً لكون الذات المفروض ثبوته لها ليست هي لمنافاته لها واقتضائه لغيرها، فيلزم كون الموضوع هو وليس هو معاً، وهو محال.

وانطلاقاً من هذا الأساس ينطلق العقل ليدرك المبادئ التي يتأسس عليها المنهاج لإدرك الواقع، فيدرك النسب الأربعة الدائرة بين المعاني بالحصر العقلي، ثمَّ يدرك أنَّ المساوي لمساوٍ لثالث مساوٍ لذلك الثالث وأنَّ الأعمَّ ممَّا هو أعمّ من ثالث أعمّ من ذلك الثالث، وأنَّ الأخص ممَّا هو أخص من ثالث أخص من ذلك الثالث، ويدرك أنَّ المباين لما هو مباين لثالث قد يكون مبايناً له، وقد يكون مساوياً، وقد يكون أعمّ، وقد يكون أخص، وأنَّ الثابت بالضرورة لشيء هو ثابت لثالث بالضرورة سيكون ثابتاً لذلك الثالث بالضرورة أيضاً، وغير ذلك ممَّا يتأسس عليه طريق الاستدلال من القياس الاستثنائي أوالاقتراني، ومن حيث الهيئة ممَّا يسير في حمى قاعدة امتناع التناقض.

ثمَّ يدرك أنَّ المحمول على موضوع أو التالي لمقدّم إمَّا أن يكون بالحيثية الإطلاقية، وإمّا بالحيثية التعليلية، وإمَّا بالحيثية التقيدية، وبالتالي يجب أخذ ذي الحيثية بالقياس إلى الحيثية المصحِّحة لحمل المحمول عليه أو تبعية التالي له، كلُّ ذلك وغيره من ضوابط استخراج الحدّ وضوابط البراهان والتجربة، ممَّا سطرناه وبسطنا سفرة ثماره بنحوٍ لمّي ثبوتي في الكتاب الذي خصّصناه لتأصيل أسس العقل وتقويم النُهج المناوئة له [3].

وأوّل ما يقوم العقل به على هذا المنهاج هو تحصيل العلم بقاعدة العلّية، فيدرك أنَّ ما لم يكن ثمَّ كان أو يجوز ألا يكون فإنَّ كونه لابدّ أن يكون من غيره السابق عليه المستقل عنه في الكون والتحقّق؛ لأنَّ كونه لا يخلو إمَّا أن يكون من غيره بالفيض أو الإعداد، وإمَّا أن يكون لذاته لمكان كماله المطلق، فلا يجوز عليه العدم؛ لأنَّ العدم فقد ونقص، والحال أنَّه مسبوق بالعدم، أو يجوز عليه العدم فيمتنع أن يكون تحققه من ذاته، وإلاَّ كان هو وليس هو معاً، وهو تناقض محال، وإذا استحال هذا ثبت بالضرورة توقف تحققه على غيره.

ومنها ينطلق لإدراك قاعدة السنخية والقابلية.

واستنادا إلى كل ذلك ستتساقط المذاهب والآراء المتكثرة بتكثر مريديها كأهون من تساقط أوراق الخريف .

ولن يستمع بعد ذلك أيُّ عاقلٍ إلى ما يقال وينادى به في الأسواق الفكرية وحانات السفسطة، من إعزاء علم المنطق إلى أرسطو كرأيٍّ خاصٍّ به ووجهة نظر لا ملزم بها، وسينعى نفسه كلُّ قولٍ ينفخ ببوق الجهل ببطلانه وفساده أو قصوره، وسيتبوء عرش الافتراء والتجني كلُّ من يدّعي بوار عصره [4].

 

هجران منطق العقل

وممَّا يثير العجب أنَّك إذا تتبعت المواقف، التي اتخذت من قواعد التفكير وضوابط إدراك الواقع على مرَّ التاريخ من مختلف الملل والمذاهب والتبعيات، فستمنى بالخيبة والدهشة من كثرة ما تعرض له هذا العلم المصيري والأساسي في كلَّ مفاصل الحياة العلمية والعملية من اقتطاعٍ مخل وحجبٍ مغرض ومحاكمات ساذجة وإقصاءٍ مرير وافتراءٍ مخز، وستستوقفك ممارسات مدّعي نصرته، ولن ينقضي عجبك من التجريح الذي مورس بحق أول مدوّنيه.

وبالجملة، فالباحث سيجد المذاهب الفكرية على طوائف: فمنهم من أخذ ببعض وأعرض عن بعض؛ لحاجةٍ في نفسه قضاها، فأقرَّ قواعد الهيأة، ومحا من ذاكرة التدوين والتعليم قواعد المادّة، وأعني بالتحديد صناعة البرهان التي تعنى بضوابط أخذ المادّة في البحث عن عوارض موضوعات العلوم لتلبسها هيئة الاستدلال وينعقد موجب اليقين الثابت.

إلَّا أنَّ كلَّ ذلك أغفل وطمس حتى خُيّل لبعضهم[5] أنَّه لا يوجد شيءٌ اسمه قواعد المادّة، وادّعى اتفاق العقلاء عليه، وحتى اشتهر في الغرب والشرق أنَّ المنطق علم تحصيل الحاصل، وأنَّه لا يضمن اليقين في العلوم إطلاقاً، خصوصاً بعد الثورة الماجنة التي اصطنعها فرنسيس بيكون بإخراج مسرحية تأسيس منطقه الجديد في الاستقراء، ولعمري إنَّ الثكلى لتضحك من دعواه، وتنسى ثكلها من سذاجة المهللين له على مرِّ التاريخ، وحتى العقود المتأخرة وربَّما المعاصرة، بل حدت الجرأة والأنفة البغيضة بجماعة من متمنطقة العصر الحديث ومناطقته من ادّعاء تأسيس منطق جديد آخر وسموه بالمنطق الرمزي أو الرياضي، واستذوق زكي نجيب محمود تسميته بالوضعي، والحال أنَّ المتصفح له والمتأمّل فيه لا يجد أزيد من ترميزات واصطلاحات، صاغو فيها جملة كبيرة من قواعد الصورة الاستدلالية، مع إهمال لبعضها وسوء فهم لأخرى، فضلاً عن إهمال لصناعة البرهان التي أقصيت بقضها وقضيضها من أغلب البحوث والشروح والتأليفات المنطقية منذ أن دخل المنطق الأرسطي مسرح التداول في روما، كما حدث في الشرق عند متكلّمي المسلمين حيث اختفت معالم البرهان من تدويناتهم إلَّا من تعريفات مشوّهة وقاصرة، رغم رفعهم لشعار المنطق ووفرة تأليفاتهم فيه وإفراطهم في البحث والجدل في قواعده الصورية، إلَّا أنَّ أقلامهم تمرض وتقحط حينما يحين الدور على صناعة البرهان، ولعلَّ نظرة على كتب المنطق المتداولة إلى الآن تكفي للتدليل على ما نقول[6].

ولم يقتصر الأمر عليهم، بل حتى من ادّعى تعليم الحكمة وتأسيس الفلسفة، ستجده هاجراً لها، بل حتى عندما تصدّى أتباعه للتدوين في المنطق حذوا حذو سابقيهم وإن أشفى حالاً[7].

عواقب هجران المنطق

وإذا كان هذا نصيب الفكر البشري من الاهتمام بضوابط اليقين في الإدراك، فلا عجب أن يكون حال أفكارهم على ما هي عليه من الاختلاف الفاحش والتعدّد المفجع المبكي والتناحر المقزز، ولا مفرَّ لهم حينها من الوقوع فيما وقعوا فيه من التباين في المناهج العملية وما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يعرض عنه، ويصيب مجتمعاتهم الخراب والفساد في شتّى المجالات حتى تكاد تضطرب في الحكم على إنسانية بعضهم وتحتار في آخرين بين الجنون أو شيء آخر!! [8]

وليس غريباً أن يؤول حالهم إلى النسبيّة والتعدّدية، وتحوّلهم من الحتمية إلى اللاحتمية، وليس غريباً أيضاً أن تتلطخ الأديان ببصمات المستهلَكين من أتباعها والمشدهوين بالتنوّع الهائل لوسائل التلذذ والتعامل المادّي.

وليس غريباً أن تجد أتباع الأديان على تقاتل وتناطح،وأن تجد الطائفة أصبحت طوائف والمذهب مذاهب، وليس غريباً أن تنتقل عدوى الفردانية والنسبيّة والتعدّدية إلى داخل الأديان.

([1] ) راجع: كتاب التأمّلات في الفلسفة الأولى، لرنيه ديكارت، التأمّل الأوّل.

([2]) راجع: كتب تاريخ الفلسفة اليونانية، بحث الشكّاك، على سبيل المثال: كتاب يوسف كرم، أو كتاب وولتر ستس، تاريخ الفلسفة اليونانية.

[3] الكتاب قيد الطبع.

[4] راجع حول ذلك كلُّ ما كتب حول علم المنطق المسمّى بالتقليدي استخفافاً، على سبيل المثال: المنطق الوضع، لزكي نجيب محمود. ونقض المنطقيين، لابن تيميّة الحرّاني.

[5] راجع: الفوائد المدنية، لمحمد الإسترابادي، في القسم الذي خصّص للحديث عن العقل وأدلته.

[6] راجع في ذلك: كتاب الحاشية وحواشيها، والشمسية وشروحها وحواشيها وكذا شرح المطالع وحواشيه ثم سلم العلوم وحواشيه.

[7] راجع في ذلك: كتابات أتباع حكمة الإشراق والحكمة المتعالية.

[8] يمكن الرجوع إلى النظريّات الحديثة في الأخلاق ومبادئ الأخلاق والسلوك الإنساني المسطورة في كتب التفلسف الحديث، وكذا التتبع للحركات والجمعيات والمشاريع التي تنبت هنا وهناك بمفاهيم وأهداف ومطالب يندى لها الجبين.

 

محمد ناصر

عضو الهيئة العلمية لأكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн