التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 2 يونيو, 2015
المشاهدات: 3٬466
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات: اقتباس من مقالة الدكتور فلاح العابدي تأصيل الفكر ... وجدليّة قبول أو رفض المنطق في الأوساط الفكريِّة ((الموجودة في العدد الأول من مجلة المعرفة العقلية))

لو حلّلنا الفكر الإنساني بشكلٍ عام نجد أنَّه يرتكز على ثلاثة جوانب رئيسية، وهي:

الأوّل: الجانب المعرفي، وهو الجانب الذي يؤسس للمعرفة البشرية، وذلك بتحديد المنهج المعرفي الصحيح الذي يجب أن يسلك في بناء تلك المعرفة، حيث إنَّ المعروف هو وجود أربعة مناهج معرفية اتبعها الإنسان في بناء معارفه، وهي المنهج الحسي التجريبي، والمنهج العقلي البرهاني، والمنهج الأخباري، والمنهج الكشفي.

فلا بدَّ في هذا الجانب وقبل الشروع في السير المعرفي أن نحقّق في حجّية هذه المناهج ـ أي مدى إمكان الاعتماد عليها في كشف الواقع ـ وهل يمكن الاعتماد عليها أم لا، وبيان حدود هذه الحجّية إن كانت لها حجّية، ومعرفة الحال عند تعارضها وتصادمها في معطياتها، ولا بدَّ أن يكون ميزاننا في ذلك هو علم المنطق الذي حقّقنا قواعده وثبتناها في مرحلة سابقة.

وبالتالي لا بدَّ أن نخرج بنتيجة من البحث المعرفي يتحدّد على ضوئها المنهج العام الحاكم، الذي يكون هو الأساس والمرتكز في بناء الفكر الإنساني، نرجع إليه كلما شككنا في واحدة من حلقات ذلك الفكر، وهو الذي يعطي المناهج الأخرى دورها وحدودها في هذا المجال، بحيث يصبح الإنسان على بصيرة من أمره في هذا الطريق المهم، ويستطيع أن يميّز الغثَّ من السمين، والصحيح من الفاسد، لا أن يرد حقل المعرفة وهو يقلِّد الآخرين ويتمسّك بكلِّ ما يعجبه ويترك ما لا يعجبه، وكأنَّ الأمر خاضع للذوق والسليقة الخاصة(8).

الثاني: الجانب النظري، أو ما يسمّى بالرؤية الكونية، وهي تعبّر عن رؤية الإنسان عن الوجود بجميع جوانبه من حيث حقيقته ومبدأه ومنتهاه وما بينهما، وهي تعبّر باختصار عن الإجابة عن الأسئلة الثلاثة التالية: (من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟).

وتحديد إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة له أهمّية كبرى في حياة الإنسان، ليس على المستوى النظري للفكر فحسب ـ بأن تجعل الإنسان واقعياً، حيث يحمل فكراً مطابقاً للواقع على ما هو عليه بعيداً عن الخرافات والأوهام ـ بل لها تأثير مباشر وقوي في تحديد طبيعة الجانب الثالث من جوانب الفكر للإنسان.

الثالث: الجانب العملي، أو ما يعبّر عنه بالجانب الآيديولوجي، الذي يعبّر عن القواعد العامة التي تضبط سلوك الإنسان وفعله الاختياري في هذه الحياة، ولا شكَّ أنَّ هذا الجانب يترتب على ضوء ما يختاره الإنسان من رؤية كونية، فمثلاً من يختار رؤية كونية إلهية تؤمن بوجود خالق للكون يرجع إليه الناس بعد مغادرتهم هذه الحياة، يكون سلوكه العملي منسجماً معها، ومعتمداً على التشريعات الإلهية، ومتأثراً بالبيان الشرعي للثواب والعقاب على الأعمال المختلفة، ويتحمل كثيراً من المصاعب وفوات الكثير من المصالح الدنيوية له ليحظى برضا خالقه والثواب عنده، وأمَّا من يختار رؤية كونية مادّية تحدّد حياة الإنسان بهذه الحياة، فإنَّه أيضا سيبني الجانب العملي له مع ما ينسجم مع تلك الرؤية.

 

(8) انظر: أيمن المصري، أصول المعرفة والمنهج العقلي: ص174.