الغاية والمنفعة من دراسة الفلسفة العقلية | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 5 يوليو, 2015
المشاهدات: 2٬154
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

إنَّ العلوم جميعاً تشترك في منفعةٍ واحدة عامّة، وهي كونها كمال للنفس الإنسانيّة؛ حيث إنَّها ترفع نقصاً عنها هو الجهل بموضوع معيّن، والفلسفة من هذه الجهة لها نفع عظيم، هو معرفة الموجودات على ما هي عليه في الواقع ونفس الأمر، وتميّز الأشياء التي نتصورها هل هي حقيقيّة وواقعيّة أم أنَّها وهميّة أو اعتباريّة، ومعرفة علل الأشياء الواقعيّة وإلى أين تنتهي تلك العلل، وذلك يساعد الإنسان في بناء رؤية كونيّة صحيحة وواقعيّة، مبنية على قضايا وقواعد مقطوع بها وبمطابقتها للواقع، بعيداً عن الأوهام العرفيّة، والخرافات العاميّة.

فهي تؤمِّن الجانب النظري من جوانب المعرفة البشريّة، وهو ما يسمّى بالرؤية الكونيّة، وهي تعبّر عن رؤية الإنسان عن الوجود بجميع جوانبه من حيث حقيقته ومبدأه ومنتهاه وما بينهما، وهي تعبّر باختصارٍ عن الإجابة عن الأسئلة الثلاث التالية: (من أين، وفي أين، وإلى أين؟)، وللإجابة عن هذه الأسئلة بنحوٍ يقيني وثابت أهمّية كبيرة جدّاً في حياة الإنسان، فلا يكاد ينكرها عاقل، وكذلك أرشد الشرع المقدّس إلى أهمّيتها، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : «رحم الله امرءاً، علم من أين، وفي أين، وإلى أين؟»([1]).

فمن الواضح أنَّ تحديد إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة له أهمّية كبرى في حياة الإنسان، ليس على المستوى النظري للفكر فحسب ـ بأن تجعل الإنسان واقعي، حيث يحمل فكراً مطابقاً للواقع على ما هو عليه بعيداً عن الخرافات والأوهام ـ بل لها تأثير مباشر وقوي في تحديد طبيعة الجانب الآخر من جوانب الفكر الإنساني، وهو الجانب العملي، أو ما يمكن التعبير عنه بالجانب (الآيديولوجي)، الذي يهتمُّ بالبحث عن القواعد العامّة التي تضبط سلوك الإنسان وفعله الاختياري في هذه الحياة، ومن جميع الجوانب الفرديّة والاجتماعيّة والعباديّة والاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها، ولا شكَّ أنَّ هذا الجانب يترتب على ضوء ما يختاره الإنسان من رؤية كونيّة، فمن يختار رؤية كونيّة إلهيّة تؤمن بوجود خالق للكون يرجع إليه الناس بعد رحيلهم عن هذه الحياة، يكون سلوكه العملي منسجماً معها، ومعتمداً على التشريعات الإلهيّة، ومتأثراً بالبيان الشرعي للثواب والعقاب على الأعمال المختلفة، ويتحمل كثيراً من المصاعب وفوات الكثير من المصالح الدنيويّة له؛ ليحظى برضى خالقه والثواب عنده، وأمَّا من يختار رؤية كونيّة مادّية تحدّد حياة الإنسان بهذه الحياة، فإنَّه أيضاً سيبني الجانب العملي لحياته مع ما ينسجم مع تلك الرؤية في تأمين مصالحه وكمالاته المادّية لا غير.

([1]) محمد ري شهري، العلم والحكمة في الكتاب والسُنّة، ص281.

من كتاب الدِّين والفلسفة وجدليَّة العلاقة بينهما ص (34)



займ на картукредит онлайн