التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 19 يونيو, 2014
المشاهدات: 2٬051
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: عنونة وتعديل محمد ناصر

والظن في الجملة: هو أن يعتقد في الشى‏ء أنه كذا، أو ليس كذا، ويمكن أن يكون ما يعتقد فيه على خلاف ما عليه وجود ذلك الشى‏ء في ذاته.

وكل شيئين لم يتصل الصدق في أحدهما عند الانسان، فهو مطلوب عنده بعد، وكل مطلوب فهو بعد مجهول الصدق.

فان قيل: ان الظن ليس هو اعتقاد صدق ما يمكن كذبه، بل اعتقاد صدق ما لا يمكن كذبه، فليس ذلك بظن، لكنه يقين، وانما أخطا في تسميته.

ولا بد أن يقع في الاعتقاد للشى‏ء اما الصدق، واما الكذب، في الايجاب أو السلب.

والتصديق قد يكون بما لا يمكن غيره، فذلك العلم.

والظن واليقين يشتركان في أنهما رأى، والرأى هو أن يعتقد في الشى‏ء أنه كذا، أو ليس كذا، وهو كالجنس لهما، وهما كالنوعين.

القضايا التي يمكن أن يتعلق بها اليقين

والقضايا التي فيها تُكوّن الآراء، وبها تكون المخاطبات، منها ضروريّة، ومنها ممكنة.

فالضروريّة: منها ضروريّة على الاطلاق، ومنها ضروريّة في اوقات ما، وقد كانت قبل تلك أوقات ممكنة الوجود واللاوجود، وهذه تخص باسم الوجودية.

واليقين يوجد في الضروريات فقط. ويشبه أن تكون أصناف اليقين بحسب أصناف الضرورى، فيكون منه يقين على الاطلاق، وما هو يقين في وقت ما، ويزول.

وليس في الممكن يقين أصلا. ولست أعنى أن علمنا بالممكن ليس بيقين، انما أعنى أنه اذا كان شى‏ء ممكنا أن يوجد في المستقبل، وأن لا يوجد، لم يمكن أن يكون لنا فيه يقين أنه يوجد، أو لا يوجد. وهذا هو أن اعتقادنا وجود ما هو ممكن أن يوجد لا يكون يقينا أصلا.

فالاقناع والظن بالجملة قد يكون في أصناف الضروريات، وفى الممكن.

في معنى الإمكان في الظن

واسم الممكن يدل أولا على معنيين:

أحدهما: على المجهول الذي يلزم ضرورة أي نقيضي معناه المطلوب الذي هو الصواب على التحصيل.

والثاني: على جهة من جهات وجود كثير من الأمور المستقبلة.

فجهلنا بما لم يلزم بعد أى نقيضى المطلوب هو الصواب أو الصادق: فهو الممكن من جهتنا نحن فقط، وليس هو معنى موجودا في الأمر من خارج أنفسنا.

فالممكن الذي يشترط في الظن ليس هو الممكن الدال على شى‏ء يوجد للأمر في ذاته من خارج النفس، بل هو الممكن الدال على ما هو من جهتنا فقط، ومعناه أنه مجهول عندنا كون اعتقادنا مطابق لما عليه الأمر في وجوده، أم لا.

ولأن الأمر لازم عن شى‏ء وارد على النفس من خارج، صار الظنّ كأن فيه جهلا مقرونا بعلم. فان اعتقادنا في الشى‏ء أنه كذا لأجل لزومه في النفس عن الوارد عليها هو كالعلم. واعتقادنا فيه أنا لا نأمن أن يكون ما في نفوسنا مقابلا لما عليه الأمر من خارج النفس، هو جهل بمطابقة اعتقادنا لوجود الأمر.

هذا فيما كان وجوده ضروريا وممكنا من جهتنا.

ومنه ما يوجد فيه بوجه ما امكان، كقولنا: زيد قائم، ما دام قائما، فانه في هذا الوقت بالضرورة، وقد كان فيما تقدم ممكنا أن يوجد، وأن لا يوجد.

فالضرورى الخالص الذي لا يشوبه امكان لا يمكن أن يكون لانسان واحد في وقت واحد، به ظن ويقين معا.

وأما الضروري المشوب بالامكان فقد يكون لانسان واحد في وقت واحد، به ظن ويقين معا. فانه قد يكون له يقين بوجوده في الوقت الحاضر، وظن في المستقبل.

و سبب جهلنا أنا ظننا بالضرورى الخالص من جهتنا، فأما في المشوب ففى وقت وجوده من جهتنا، وفى المستقبل من جهته، لأنه قد يمكن أن يوجد بما ظنناه واعتقدناه أولا.

مراتب الظن والقناعة

والظنّ يقوى ويضعف. ومنه ما لا يشعر الانسان بعناده، ومنه ما يشعر بعناده، ويقدر على احضاره اما فيما بينه وبين نفسه، أو فيما يخاطب به غيره وقوة الظن بحسب قلة معانده، وضعفه بحسب كثرته.

وليس ينقص القناعة أن يشعر الانسان بمعاندات.

وكل انسان يستعمل تأكيد القناعة فيما يستعمله بينه وبين غيره، أو ابطالها باستقصاء، أو مسامحة بما يراه الأنفع. فان كان ينتفع بأدنى منازلها، لم يتجاوزه الى‏ ما فوقه. وان رأى أدنى منازله لا يبلغ له ما يريده، استقصاه وأكده. وان كان الأنفع له ابطال شى‏ء منه، عانده وعارضه على علم بقوته.

والقناعة وان بلغ بها أوكد أمرها، فلا بدّ فيها من موضع العناد أما كثيرا، واما قليلا، ظاهرا أو خفيا.

العوامل الشخصية لخفاء الحقيقة

وخفاء معاند الظن:

قد يكون من جهة المعتقد والناظر.

وقد يكون من جهة الأمر المنظور فيه.

وذلك أن الرأي قد يكون له معاندات كثيرة شأنها أن ترشد الانسان وتنبهه على كذب رأيه اما بالجزء، واما بالكل، وعلى الصواب مما ينبغى أن يعتقد؛ فلا يشعر بها:

-اما لتوانيه وايثاره لراحة فكره وبطالته

أو لتشاغله عن استقصاء طلبها بما به قوام الحياة

أو بالنظر في جنس ما من الأمور غير جنس الأمر الذي لم يشعر بمعانده، والفحص عنه دون باقى الأشياء.

أو لنقص ذهنه، وذلك للحداثة فيزول، أو بالفطرة فلا يزول.

-وقد تكون قوته بالفطرة، على ادراك الأشياء التي سبيلها أن تدرك بالقياس الى مقدار، ما. أو انما تكون له تلك القوة على جنس ما. فاذا التمس من نفسه فوق ذلك المقدار اما في كل شى‏ء، أو في جنس ما؛ خارت قوته. وقد تخور القوة عن كلال وتعب لنظر في أمور متقدمة، ولو كان سبق الى النظر في هذا، ففحص عنه عن جمام من قوته لاستخراج المعاند له. وذلك كما يعرض في القوى الجسمانية.

فاذا فحص الناظر عن الشى‏ء، فاعتقد فيه رأيا ما، ثم تعقب ذلك الرأي بغاية ما ما قدر عليه، فلم يستبن له معاند ذلك الرأى، ولا صحة مقابله الى غايته تلك، لاجل خفاء المعاند لرأيه، وكان ذلك من جهته هو؛ فقد صحح ذلك الرأي بحسب طاقته.

العوامل الموضوعية لخفاء الحقيقة

وأما خفاؤه من جهة الأمر نفسه، فذلك بأسباب وأحوال في الأمر:

من ذلك أن تكون المعاندات له تؤخذ عن أشياء سبيلها أن تشاهد وتجرب، فيعاق الناظر عن مشاهدتها وتجربتها، اما لبعدها في الزمان، أو المكان، أو لعائق آخر، كما يحتاج في كثير من أمور الحيوان الى مشاهدة كثير من أعضائه الباطنة، فيمتنع من ذلك، اما لعوز الآلات، أو أن الشريعة لا تطلق له ذلك.

-ومن ذلك أن تكون المعاندات غامضة يحتاج في استثارتها الى قوة زائدة تستفاد من صناعة أخرى لا تكون له، أو يكون الكذب في القضية الكلية يسيرا جدا، فتكون المعاندات له قليلة.

والانسان اذا لم يشعر بمعاند رأى ما، وعلم أن خفاه عليه من جهة نفسه؛ اتهم ذلك الرأى، ولم يسكن اليه، ولم يثق به ثقة تامة.

صعوبة تحصيل اليقين وتمييزه عن الظن وأحوال الناس في ذلك

ويعسر أن يعلم الانسان لأى الجهتين خفاء المعاند: أمن جهته، أم من جهة الأمر نفسه.

وبعيد أيضا أن تقع للانسان تهمة نفسه فيما يعتقده، بل يثق برأى نفسه، ولا سيما اذا خفى المعاند عليه، بعد طول الحرص على ما يعتقده.

وأوثق الظنّ انما يحدّ بحسب انسان انسان، لا بحسبه في نفسه. فان الذي هو أوثق الظنون عند كل انسان هو ما بذل وسعه في تعقّبه، فلم يحصل له عنده معاند، أو فسخ كل معاند له، فيصير اعتقاده لا عناد له عنده اصلا، وخاصة اذا كان لا يتهم ذهنه في ذلك.

وبهذا الوجه كان الأقدمون من القدماء يصحّحون آراءهم في الأشياء النّظريّة، وهو أن الواحد منهم كان يلتمس القياس على مطلوب ما. فاذا صادفه، جعل ذلك الشى‏ء الذي صادف قياسه رأيا له. ثم يتعقب ذلك الرأى، ويلتمس معانداته، ويقايس بينه وبين مقابله. فان لم يجد له معاندا، أو وجد له معاندات قدر على حلها أو مناقضتها؛ جعله رأيا لنفسه، واعتقد صحّته. وهذا بحسب انسان انسان.

والاستقصاء في وثاقة الظّنون يُبلغ بالطرق الجدليّة أكثر مما يُبلغ بالطّرق الخطبيّة، ومع ذلك فلا يؤمن أن يكون مقابلا لصحة الأمر.

أسباب زوال الاعتقاد واليقين

والاعتقاد يزول بأسباب:

– اما بموت المعتقد

– أو فساد ذهنه

– أو بنسيانه

– أو نسيان برهانه

–  أو زوال الأمر الذي كان فيه الاعتقاد، بتلف

–  أو استمالة الى مقابل ما كان عليه

–  واما بمغالطة ترد عليه، لا يشعر بها المعتقد للرأى

–  أو عناد صادق يبيّن له كاذب اعتقاده.

أما اليقين فيزول:

–  بموت المعتقد له

–  وفساد ذهنه

–  ونسيانه

ولا يزول اليقين لا بتلف الأمر، ولا بعناد أصلا، على ما بيّن في كتاب البرهان.

فمن خواص اليقين على الاطلاق: اذا حصل، أن لا يزول أصلا مع سلامة المعتقِد، وسلامة ذهنه.

أما اليقين بالنسبة الى وقت ما: فيزول بتلف الأمر، أو تغيّره الى مقابله، مع سلامة المعتقد وسلامة ذهنه.

ومن خواص الظّنّ أن يمكن زواله في المستقبل رغم سلامة المعتقِد، وسلامة ذهنه، وسلامة الأمر ومن غير أن ينساه.

وبالجملة: كلّ اعتقاد حاصل في وقت ما أمكن أن يزول في المستقبل بعناد، فهو ظن. وكل اعتقاد قام الى وقت ما، ثم زال بعناد؛ فقد كان من قبل أن يزول ظنا، لا يشعر به صاحبه أنه ظنّ.