الظن وأقسامه ومراتبه وطريقه ومواطن استعماله | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 17 يونيو, 2014
المشاهدات: 1٬705
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: عنونة وتعديل محمد ناصر

الظن ضربان

ضرب لا يعلم الانسان له معاندا:

اما بأن لم يفحص عنه أصلا، ولم يتعقبه، ولا طلب له معاندا

واما بأن اجتهد في طلب معانده. فلم يقف عليه

واما بأن فسخ بحسب طاقته ما صادف من معانداته.

وضرب يعرف معانده:

فالذى يعرف معانده هو بحسب انسان انسان، أو طائفة طائفة، أو بحسب الجميع في زمان ما، أو بحسب انسان أو طائفة في وقت ما؛ فانه لا يمتنع أن يكون الانسان يخفى عليه عناد رأى في وقت، ويظهر له في وقت آخر، أو يظهر لانسان آخر في زمانه، أو بعد زمانه؛ وكذلك حال الطائفة.

ولا يمتنع أيضا أن يكون رأى مشهور عند الجميع لا يشعر أحد منهم بعناده، ثم يقف عليه بعضهم في وقت آخر.

مراتب الظن

والظن القوى عند كل انسان، هو الظن الذي ليس عنده له معاند. وهذا الصنف يتفاضل:

– فأضعفه ما لم يوقف على معانده، ولاجل أنه لم يفحص عنه لتوان، أو غفلة، أو تشاغل بأشياء أخر، أو لحسن ظنّه به.

– وأقواه ما اجتهد في الفحص عنه، والمقايسة بينه وبين مقابله، وفسخ ما صودف من معانداته.

فالظّنّ الذي معاضده أكثر من معانده، هو الظّنّ الأغلب في الشى‏ء.

والظنّ الذي معاضده أقل وأخفى، ومعانده أكثر وأبين، فهو الذي يسمى الريبة والتهمة وهذا مطروح.

والذي معاضده مساو في القةة والظهور لمعانده، فانه هو ومقابله يستعملان في الصنائع الظنونية، لا على أن يستعملا في شى‏ء واحد في وقت واحد، لكن في حالين مختلفين، ووقتين مختلفين. وعن أمثال هذه يمكن أن يقع الشك والحيرة متى استعملا في العلوم، ولم يشعر بما فيهما من الكذب.

تعريف الشك

الشك هو وقوف النفس بين ظنين متقابلين كائنين عن شيئين متساويين في البيان والوثاقة.

والتساوي في الوثاقة هو أن يكونا متساويين في ضرورة لزوم ما يلزم عن كلّ واحد منهما، وأن يكونا من جهة الضّرورى، أو الامكان في وجودهما على السّواء في الرتبة.

وتساويهما في البيان ان تكون شهرتهما او علم الانسان بهما على السواء.

واذا لم يكن للانسان ظنّ ولا في واحدة من القضيتين المتقابلتين، كان ذلك مطلوبا، ولم يكن شكا.

طريق استيثاق الظن

ووثاقة الظن: الاستقصاء فيه وتعقّبه الى أن يبلغ الى حيث لا يشعر بمعاند الرأى. وقد يكون بالطرق الخطبية، والطرق الجدلية.

والانسان انما يشعر بالطرق الخطبية قبل أن يشعر بالجدلية. لأن الخطبية تجرى بها عادته منذ صباه وأول امره في الأمور الأول التي سبيل الانسان أن يعانيها. وأما الجدلية فانما يشعر بها اخيرا.

وأخفى من الجدليّة الطرق البرهانيّة، فانها لا يكاد يشعر بها من تلقاء نفسه.

وقد كان المتفلسفون في قديم الدهر يستعملون عند فحصهم عن الأمور النظرية الطرق الخطبية مدّة طويلة، لأنهم لم يكونوا شعروا بغيرها، الى أن شعروا أخيرا بالطرق الجدلية. فرفضوا الخطبيّة في الفلسفة، واستعملوا فيها الجدلية، واستعمل كثير منهم الطرق السوفسطائيّة.

ولم يزالوا كذلك الى زمان أفلاطن، فكان أول من شعر بالطريق البرهانية، وميّزها عن الجدليّة والسوفسطائيّة والخطبيّة والشعرية، الا أنّه انّما تميّزت له عنده بعضها عن بعض عند الاستعمال في المواد، وعلى حسب ما يرشد اليها الفراغ‏ والفطر الفائقة، من غير أن يشرع لها قوانين كلّيّة، الى أن شرع أرسطوطاليس في كتاب البرهان وقوانينه، فهو أول من حصلت له هذه الطرق، فوضع لها قوانين كلّيّة مرتّبة ترتيبا صناعيا، وأثبتها في المنطق.

فرفض المتفلسفون مذ ذلك تلك الطرق القديمة التي كان الأقدمون يستعملونها في الأمور النظرية التي يلتمس بها اليقين، وجعلوا الجدليّة تستعمل في الرياضة وفى تعليم الجمهور كثيرا من الأشياء النظرية، وجعلوا السوفسطائية للمحنة والتحذير.

فوائد ومواطن استعمال الطرق الخطابية

وجعلوا الطرق الخطبية تستعمل في الأمور المشتركة للصنائع كلّها. وهى الّتي لا يمكن أن يستعمل فيها طريق يختصّ بصناعة دون أخرى، بل للصنائع بأسرها، وفى تعليم الجمهور كثيرا من الأشياء النظرية، وفى تعليم الانسان الذي ليس من أهل صناعة ما الأشياء الخاصة بتلك الصناعة، متى احتيج الى ذلك في وقت ما، وفى المخاطبات التي تستعمل في المعاملات المدنية.

والصنائع الظنونية: هى التي شأنها أن تحصل عنها الظنون في موضوعاتها التي أعدّت، وتلك هى الخطابة والصنائع العملية كالطّبّ والفلاحة والملاحة وأشباهها. وكل واحد منها سوى الخطابة تجتهد وتتحرّى الصواب في كلّ ما اليه أن يفعله، أو أن يفعل فيه.

والرأى الصواب هو ظنّ ما صادق.

ولكل واحدة من هذه الصنائع موضوع خاص، وانما تستنبط الصواب أو تقنع في موضوعها الذي يخصّها فقط. وتفارقها الخطابة. فان الخطابة انما أعدت لتقنع فقط، لا لأن تستعمل في الروية، ولا لأن يستنبط بها الأمر الذي فيه تقنع.

والصنائع الظنونية الباقية تستعمل الروية في استنباط الشى‏ء الذي هو موضوع لها وتقنع فيه.

ثم إنه ليس للخطابة موضوع تُقنِع فيه خاصّة دون غيره، بل تلتمس الاقناع في جميع أجناس الأمور.

وأيضا فان الخطابة شأنها أن تكون عنها الظنون‏ فيما سبيله أن تكون فيه ظنون، وهى الأمور الممكنة في أنفسها، وفيما سبيله أن يكون فيه يقين، وهو الضروري.

أما الصنائع الأخر: فانما تكون عنها الظنون في الأمور التي سبيلها أن تكون فيها الظنون، لا اليقين، اذ كانت موضوعاتها فقط من الأمور الممكنة.

وكلّ واحد منها انما يستعمل في رويّته -عند ما يقصد استنباط الرأي الصواب فيما ينبغى أن يفعله في شى‏ء شى‏ء من أشخاص موضوعه الذي تخصّه- القوانين التي استفاد‏ها من صناعته فقط. واذا أراد أن يقنع غيره، فان كان ذلك من أهل صناعته، وفى مثل رتبته في قوانين صناعته؛ فان سبيله أن يستعمل عند اقناعه تلك القوانين التي بها استنبط الرأي الصواب، فيكون ذلك اقناعا وتعليما.

وان كان من غير أهل صناعة؛ احتاج الى أن يستعمل معه الطريق المشترك للجميع، وهو طريق الخطابة. ولا يستعمل الطريق التي تخص تلك الصناعة، اللّهم أن يتفق أن يكون ذلك بعينه أيضا طريقا مشتركا. وان لم تكن له قدرة على الطريق المشترك، وأراد اقناعه؛ فوض ذلك الى خطيب.

وأما الخطابة فستعمل في الاقناع الطرق المشتركة للجميع، اذ كانت انما تلتمس الاقناع في جميع أجناس الأمور، ولا تستعمل الطرق الخاصّيّة، الا أن تكون تلك أيضا مع ذلك مشتركة. فلذلك قد يمكنها أن تقنع في الأمور الطبّيّة، وكذلك في كل واحدة من الصنائع. ولذلك لها قدرة على اقناع الجمهور بأسرهم في كل شى‏ء. ولذلك اذا قصد صاحب صناعة ما نظريّة، أو علميّة، الى تصحيح رأى من الآراء التي استنبطها بصناعته، عند من ليس هو من أهل تلك الصناعة، ممّن لا يتفرّغ أو لا يصلح لتعلّمها؛ احتاج الى أن يكون خطيبا، أو أن ينوب عنه في ذلك خطيب.



займ на картукредит онлайн