التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 9 أبريل, 2015
المشاهدات: 4٬198
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

نجوم السفسطة

السفسطة وكأي ظاهرة اجتماعية لم تكن لتحدث فجأة دون تدرج وتبلور تصاعدي يولد في مرحلة ما رموزا لتلك الظاهرة تسند إليهم حياكتها مع أنها هي التي أنتجتهم وإنما تطورها وبروزها كان في أحضانهم.

ولذلك وإن كان (بروتاغورس) ليعد أول السفسطائيين إلا أنه في الواقع وبحكم السير الطبيعي لأي ظاهرة سلوكية أو فكرية تربى في حضن السفسطة وأحسن ممارستها وبلور سلوكياتها فاشتهر كأول سفسطائي ولذلك نجده يحكي عن السفسطائية كظاهرة سابقة عليه لم تكن بعد لتجد طريق البروز والتأطر كظاهرة مستقلة وأنه تصدى لإبرازها، بل إن سقراط نفسه يحكي وجود السفسطائيين-كظاهرة خاصة-السابقين على (بروتاغورس).

إلا أن هناك محطات برز فيها كوادر كان لهم الأثر البالغ في نظم أرجوزة السفسطة وجذب القلوب ببداعة إنشادها، وأبرز هؤلاء:

بروتاغورس

ولد بين عامي (500 و490 ق.م.) حسب اختلاف الروايات في مدينة أدبيرة وتوفي حوالي عام (410 ق.م.).

يعد أول السفسطائيين وأشهرهم، استطاع أن يكون ثروة كبيرة بسب أخذه الأجر على التعليم، تمتع بسمعة طيبة بين الجمهور في حياته وبعد مماته كان معتزا بنفسه يري أنه أميز السفسطائيين، كانت تربطه صداقة بالحاكم (بركليس) الذي بدوره جعل أبناءه يتتلمذون عند (بروتاغورس).

ادعى تعليم الفضيلة وحسن الإدارة والكلام، على يديه تأسس علم النحو والصرف في اللغة اليونانية وكان له الباع الطويل في تطوير صناعة الخطابة وألف كتابا اشتهر بين الناس وبالأخص عبارة جاء فيه وهي (الإنسان مقياس الأشياء جميعا).

لم يكن (بروتاغورس) ليهتم بتعليم الفنون الأخرى كالفلك والحساب والهندسة كما يفعل غيره من السفسطائيين ﻛ(هيبياس) لأن طموح الشباب في ذلك الواقع الاجتماعي يدعوهم ليهربوا من هذه العلوم ويأتوا إلى السفسطائي لكي يتعلم كيف يحسن الكلام والإدارة لذا كان يعلم ما يأتي التلامذة لأجله.

وقد روي أنه قال في حق الآلهة قولا أدى إلى محاكمته غيابيا بالإعدام وأنه هرب من أثينا عقيب ذلك واختلفت الروايات حول كيفية موته وزمان الحكم وحول إحراق كتبه ولكن أي من هذه الروايات لا يمكن قبوله في ظل تصريح سقراط بطيب سيرته حين حياته وبعد وفاته ووجود كتابه بين الناس دون أدنى ذكر لمثل هذه الواقعة فلا يمكن التعويل عليها.

أشهر آرائه

نسبية المعرفة: انطلاقا من عبارة (بروتاغورس) المشهورة أن الإنسان مقياس جميع الأشياء فقد فسرها (أفلاطون) على لسان (سقراط) ومن بعدهما (المعلم الأول) بأنها تعني أن ما يدركه كل فرد، فرد من الناس هو موجود وصادق بالنسبة إليه وما لا يدركه فليس بموجود وهو كاذب بالنسبة إليه.

ويظهر من كلماتهم ابتناء نظرية (بروتاغورس) على المساواة بين العلم والإحساس آخذا ذلك من (ديمقراطيس) وعلى القول بتغير الوجود وعدم ثباته أي أن الأشياء كلها في حال تغير وصيرورة دائمة آخذا ذلك من (هرقليطس) ولذلك نجد اعتمادهم في إبطال نظريته في المعرفة على إبطال ما ابتنيت عليه مضافا إلى إغراق نظريته بالنقوض النظرية والعملية.

وفي رأيي لم يكن (بروتاغورس) قائلا بالنسبية المعرفية قول قناعة إنما مشاغبة من مشاغباته التي اشتهر السفسطائيون بحياكتها، ولذلك لا نجد في محاورته مع سقراط أدنى إشارة من قريب أو بعيد لما يدل على تبنيه واقتناعه بتلك الفكرة بل على العكس يظهر منها إيمانه بثبات المعرفة والقيم الخلقية وغير ذلك من المعاني بل إن ممارسته العملية والأمور التي نادى بها تتناقض كليا مع مثل هكذا دعوة رغم أنه كان متقدما في السن ووصف نفسه بأنه يعد أبا بالنسبة إلى جميع الحاضرين من حيث العمر مع أن فيهم من يناهز الأربعين.

لذلك ليس قول (بروتاغورس) إلا تأليفا بين أقوال من سبق من الفلاسفة الذين تعود السفسطائيون حفظ أقوالهم والربط فيما بينها بحسب ما يناسب الحوار تحصيلا للنصر والفوز على الخصم.

ولذلك يعدهم (أفلاطون) في بعض محاوراته على لسان (الغريب الإيلي) بل على لسان (سقراط) في محاورة (بروتاغورس) نفسه بأنهم نقلة للكلام والأفكار كما التاجر الذي ينقل الطعام مع أنه ليس من صنعها وأنتجها ولا يعلم بخصوصياتها وحقيقتها وبالتالي فلا يعتمد عليه في تشخيص الصالح منها فكذلك السفسطائي بل يرجع إلى الفيلسوف في تحديد المعرفة المفيدة للنفس من المضللة كما يرجع إلى الطبيب في تشخيص المناسب لصحة البدن من المضر بها.

بل بالنظر إلى ما تعنيه هذه الدعوة وربطها بالغرض الذي يتوخاه السفسطائي بنهجه وأسلوبه يتبين أن مثل هكذا دعوى تهيأ أرضية خصبة للجدال وتفتح مساحة واسعة للحركة الكلامية لإرباك الخصم وتعجيزه وبالتالي النصر عليه وكسب ثقة الجمهور.

وبالتالي في تقديري ليس رد (سقراط) و(أفلاطون) و(المعلم الأول) عليه إلا محاولة لبناء ما هدمه السفسطائيون بسلوكهم النفعي وإدخالهم الشبهات وتشويههم الحقائق فقط وفقط تحصيلا للشهرة والمال بجمع التلامذة حولهم لذلك فإنهم خلفوا مشاكل فكرية من حيث لا يدرون فضلا عن المشاكل السلوكية فكان لزاما التصدي بقوة لكشفهم وإبراز مدى الضعف الفكري والانحراف السلوكي الذي اتسموا به وهذا ما حصل فعلا.

ومن هنا أقول لم يكن التركيز على الإنسان في الفلسفة اللاحقة على بروز السفسطة راجعا لكون السفسطائيين من المتفكرين والمنظرين في طبيعة المعرفة وخصوصيات الإنسان بل لأن السفسطائيين ومن حيث لا يدرون وفي سبيل حشد الانتصارات والرقي في سلم الشهرة والمال قالوا ما قالوا ولم يكن ليعنيهم حقيقة ما قالوه بقدر ما يعنيهم غرضهم وهكذا حال من الطبيعي أن يخلط الأمور على الجمهور ويحدث تشويشا فكريا وخللا سلوكيا كان في تقديري العامل الأكبر في ظهور (الشكاك) الذين اختاروا الشك ورفضوا البت في شيء تحصيلا للطمأنينة والراحة فكان له التأثير في نشوء (الشك البيروني) (مذهب اللاأدرية) و(الشك التجريبي) فنجد (سكستوس أمبريكوس) يصنف رسالة خاصة يمتدح فيها (غورغياس) و(بروتاغورس) واصفا إياهم بالفلاسفة ويقوم بتحليل أدلة جورجياس في إنكار الوجود والمعرفة وإمكان نقلها، وبالتالي عندما يظهر المرض فعلى العالم المداوي أن يظهر الدواء وهذا ما فعله (سقراط) و(أفلاطون) ثم (المعلم الأول).

غورغياس

ولد في مدينة (ليونتيني) بين عامي (485-480 ق.م.) بحسب ما تتجه إليه معظم الآراء، اشتهر بالقوة الجدلية والخطابية وكان له الأثر البالغ في تطورهما وكان أول شهرته بخطبة ألقاها في أثينا عام (427 ق.م.) مستعطفا الأثينيين لنصرتهم ضد (سيراقوصة) التي اعتدت على مدينته (ليونتيني) التي بدورها أرسلته سفيرا ﻟ(أثينا) لهذا الغرض فنال إعجاب الأثينيين ومعونتهم.

اشتهر بقوته الخطابية والجدلية حاصرا مهمته التعليمية بفن البيان مستهزئا من السفسطائيين المدعيين تعليمهم للفضيلة وتعهد بالجواب عن أي سؤال في أي فن والخروج منتصرا مقنعا للجمهور في أي مناظرة مع أي خصم وفي أي فن.

وفي محاورته مع (سقراط) التي شارك فيها كل من (بولوس) و(كالكليس) من تلامذة (غورغياس) محاولين التصدي لإفحامات سقراط معبرين عن مبادئهم الحقيقية خصوصا (كالكليس) الذي كان جريئا جدا في الكشف عن مبادئه والتي جعلها مبادئا لأستاذه (غورغياس)، في هذه المحاورة يتكشف الوجه الحقيقي للسفسطائيين ويظهر عشقهم للشهرة والمال والرفعة الاجتماعية والتي ترجع إلى تشخيصهم الخير في خانة النافع واللذيذ بالمعايير الحسية والشر بالمؤلم المضر كذلك كما تظهر نزعتهم الطبقية على أساس القوة والقهر والتفرقة بين قانون الطبيعة الذي يعطي الحق للأقوى ويلزم الضعيف باتباعه ويبرر البطش به بتمرده، وقانون المجتمع الذي احتال الضعفاء على الأقوياء في تشريعه تقويضا لتصرفاتهم. بل حتى المفاهيم الخلقية كالصبر والاحترام والعفو إنما هي مبررات للعجز عن تحصيل المراد والانتقام فيواسى العاجز بأنه يتحلى بالفضائل ولذا جعل مقياس السعادة هو وجود المال والسلطة والشقاء بالفقر والعجز.

أشهر آرائه

اشتهر عن (غورغياس) قوله بإنكار حقيقية الواقع الخارجي وعدم إمكان معرفته على تقدير وجوده وعدم إمكان نقلها على تقدير إمكانها، وقد صنف أحد زعماء الشك التجريبي (سكستوس أمبريكوس) رسالة في شرح مذهب (غورغياس) بعد أن امتدحه هو و(بروتاغورس) عادّاً إياهم من الفلاسفة كما مر.

ويتكون ما قال به من ثلاث فقرات:

الأولى: (لا شيء بموجود حقيقة)، الثانية: (إذا وجد شيء فهذا الشيء يبقى مجهولا عندنا)، الثالثة: (إذا وجد شيء ويمكن لأمرئ العلم به فإنه لا يمكن التعبير عنه للأغيار).

وقد أقام الأدلة الحاشدة على كل من الدعاوى الثلاث مستعملا كعادته كسفسطائي أسلوبه المشاغبي التمويهي خالطا بين معاني الألفاظ المشتركة مقيما ما بالعرض مقام ما بالذات تاركا مراعاة اعتبارات الحمل وغير ذلك من الأساليب التي ستتكشف جميعها حين الرد والنقض لقوله.

وسيظهر جليا أن هذه النظرية ليست رأيا يقول به (غورغياس) بقدر ما هي إحدى محاولاته لإبراز المقدرة الجدلية والبراعة المشاغبية عبر التقاط أقوال من سبق من الفلاسفة والدمج بينها ليخرج بنتيجة مربكة إن من حيث مفادها وإن من حيث أسلوب الإستدلال عليها.


  1. حمید - السبت, 6 يونيو 2015 في الساعة 4:49 م

    جيد جيدا
    و ليس فيه نقصا الا انه كان من الممكن ان تذكروا كلام الشيخ رحمه الله تعالي في ابتداء سفسطة الشفاء:
    و يشبه ان يكون بعض الناس بل اكثرهم … الخ
    موفقين