التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 9 أبريل, 2015
المشاهدات: 2٬941
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

تعريف السوفسطائي

بالرجوع إلى الأصل اليوناني للكلمة وهو (sophos) وتعني الحكيم فقد اشتقت منها كلمة (sophostos) وتعني المهارة والحذق في فن من الفنون ولذلك أطلقها (بندار) قديما على طائفة من الشعراء الموسيقيين وأطلقها (يوبيدس) على الموسيقيين وكذلك (أبقراط) على الفلاسفة الطبيعيين كما نجد (هيرودوتس) قد أطلقها على (فيثاغورس) وكذلك سمي بها الحكماء السبعة ومنهم (صولون) الذي يعتبر المؤسس للنظام الديمقراطي الأثيني عقيب الصراعات المتعددة الجوانب التي عصفت بالمجتمع اليوناني وكذا لقب بها (بيركليس) الحاكم لأثينا في أثناء سطوع نجم السفسطائيين.

وبذلك نجد مدى إيجابية مدلول هذه الكلمة التي قام فيما بعد أفراد متفرقون جمعهم السلوك الواحد والغرض نفسه بإطلاقها على أنفسهم وتسميهم بها في قبال من يتسمى بالفيلسوف تعريضا بالسلوك الذي تتسم به حياة الفيلسوف وأداؤه في مجتمعه.

وقد جعلوا تسميهم بها من حيث أنهم عالمون معلمون للعامة إما لفن الإدارة للشؤون الاجتماعية المختلفة من حيث يكسب المتعلم سعادته والقبول لدى الآخرين كما يبين ذلك أولهم شهرة وأكبرهم صيتا الأدبيري (بروتاغورس) وإما لفن البيان والخطابة والذي يتيح لمتعلمه الظهور على محاوريه أيّاً كان موضوع المحاورة ويكسبه النصر في جدال الخصوم مهما كان الفن المتنازع فيه كما يجاهر به أطولهم عمرا والتالي شهرة (غورغياس) الذي بدوره يتعهد مصراً بالإجابة عن أي سؤال في أي مجال بنحو مقنع للجمهور ليعتقدوا بتبعه بأنه الأفضل وصاحب اليد الأرفع في جميع الفنون حيث يعرف نفسه بمعلم البيان فقط ساخرا ممن يدعي من السفسطائيين أنهم معلمون للفضيلة.

والجامع بين ذا وذاك هو التعليم لفن الكلام جدلا وخطابة ليحصد المتعلم النصر في أي معركة كلامية كما جاء على لسان كل منهما في محاورتيهما الأفلاطونية السقراطية.

خصائصه ومميزاته

مضافا إلى القدرة الجدلية والخطابية العالية والمحكمة التي يتمتع بها السفسطائي فهو يتعمد التجوال والتنقل وحصد التلامذة والمريدين لأنه ليس معلماً فقط بل معلم بالأجر وليس مطلق الأجر بل الباهظ المستدعي لكون معظم التلامذة من طبقة النبلاء وأصحاب الثروات وترتب على ذلك أن يكون ذا ثروة كبيرة وذا شهرة واسعة وبالتالي تربطه برجالات السياسة والمال العلاقات الوطيدة كما عرف عن (بروتاغورس) صداقته ﻟ(بيركليس) ولذلك كان مُقام السفسطائي في أي مدينة يصلها في منازل وجهائها حيث يجمعون له الأعيان والعلماء ويشرع هو في إبراز مواهبه جذبا للتلامذة والمريدين.

ويغلب اهتمام السفسطائي بقضايا السياسة والقانون والقيم وأسس العلاقة بين طبقات المجتمع وتشخيص ما ينبغي أن يسعى إليه الإنسان عبر خوضه في قضايا الحسن والقبح والنافع والضار بل حتى قضايا الصدق والكذب والصواب والخطأ كل ذلك بالنحو الذي يحصنه من أن يتهم في سلوكه ونواياه ويعضده في مجادلاته وتحدياته.

الأسلوب الجدلي والخطابي عند السفسطائي

إن القدرة الجدلية والمهارة الخطابية عند السفسطائي تتميز بخصائص عديدة كانت ذات أثر بالغ في تقييمه وتبلور موقف الحكماء والفلاسفة منه.

وترتبط هذه الخصائص بمختلف ركائز الحوار والخطاب إن من حيث الغرض أو المنفعة المترتبة أو صورة الأدلة التي يطرحها وهيئتها أو مادتها وطبيعة المضمون.

أما الغرض فهو الخروج منتصرا مقنعا للجمهور بأنه الأفضل، وأما المنفعة فتحصيل الشهرة والرفعة والجاه في المجتمع واستقطاب القدر الأكبر من التلامذة والمريدين، وهذا ما صرحوا أو لوحوا به كما يظهر في (محاورات أفلاطون) التي تكاد تعد المصدر الوحيد تاريخيا وفكريا حول السفسطائيين وخصائصهم.

وأما من حيث صورة الدليل فنجد في (المحاورات) نفسها كثرة الاعتماد على الاستقراء الناقص تحصيلا للتعميم في الحكم، بل قد لا يصدق عليه في بعض الأحيان أنه استقراء، وإنما أمثلة يعتريها الغموض ويتوقف تشخيصها على التحليل والتدقيق ليكون مآلها إلى أجنبيتها عن الموضوع، وكذلك الاعتماد في الأدلة القياسية على الألفاظ المشتركة مما ينتج عنه عدم تكرر الحد الأوسط وتباين الأكبر مع الأصغر، وكذلك الركون إلى المعاني العامة بحيث يبقي موقفه من أي قضية كساحة واسعة يستطيع التحرك بحرية فيها توصلا إلى إبطال رأي الخصم وكذلك اللجوء إلى حمل ما بالعرض مكان ما بالذات أو سوء اعتبار الحمل وغيرها من الأساليب في الدليل القياسي التي بلغت ثلاث عشرة أسلوب ستة من حيث اللفظ وسبعة من حيث المعنى.

كما وتجده تارة يعمد إلى الإجابات القصيرة والغامضة في مواطن الجواب بحيث يعجز الخصم عن تحليل كلماته المنقبضة المعنى بنحو تلقائي أو الخطب الطويلة والتي يستغلها للخوض في مواضيع متعددة تضييعا لمحل البحث، وإذا ما كان مبتدئً بالكلام فهي فرصته لعقد خطاب مليء بالاستشهاد بالوقائع والقصص إضفاءً للاقتناع على الحاضرين وإرباكاً للخصم.

وأما من حيث المادة والمضمون فيعتمد على ما هو مقبول عند الجمهور الذي هو الحاكم الأعلى في أمثال هذه المنازلات الكلامية وغرض السفسطائي ومنفعته مرتبطة بهم، مضافا –كما مرَّ-إلى اعتماده الأمثلة الغامضة التشخيص والتي يبرز فيها لأول وهلة الجانب الذي يخدم استدلاله ويعقد قلوب الجمهور معه.

وهذا كله كان ليظهر جليا بالقراءة المتأنية (للمحاورات الأفلاطونية) والنظرة المتفحصة للأدلة التي أقاموها على النظريات التي تبنوها واشتهروا بها.

بل وبمعزل عن ذلك كله نجد دعاويهما التي أطلقوها وممارساتهم التي افتخروا بها تكفي للحدس القطعي بما تقدم.

فدعوى العلم بكل شيء، والتعهد بافتخار بالإجابة على أي سؤال، ودعوى القدرة على هزيمة أي خصم في أي فن وإن كان ذلك الخصم من المتخصصين في ذلك الفن، أي فن كان، مضافا إلى تصديهم لتعليم ذلك لأي كان شريطة توفر المقومات وهي الأجر الباهظ.

كل ذلك كاف لأن يحدس بنحو قاطع بما تقدم، إذ دعوى العلم بكل شيء تكاد تكون مستحيلة عقلا بالنظر إلى تشعب الفنون وتعددها ومحدودية القدرة البشرية بالتالي يكون اعتقاد الجمهور بهم أنهم كذلك راجع بالضرورة إلى ظهورهم بالصورة المموهة للواقع بنحو تخييلي يوجب انشداد النفوس واقتناعها.

وهذا أيضا ما تستدعيه دعوى القدرة على الخروج منتصرا في أي حوار في أي فن، مضافا إلى أنها تفترض مسبقا خطأ أي خصم في أي رأي يحمله لأن الانتصار عليه يتوقف على إبطال رأيه وهذا في حد ذاته أشبه بالدعابة منه بالواقع.

بل إن إلقاء نظرة على دعاوى (هيبياس) بالخصوص كاف للعلم بهذه النتيجة حيث يفتخر وينادي بأعلى صوته أنه يستطيع مجادلة أي متخصص بأي علم وأن يخرج منتصرا كما أنه على استعداد لطرح عشرة مسائل وإقامة الأدلة عليها ثم طرح نقائض هذه المسائل وإقامة الأدلة على صحتها في الوقت ذاته مضافا إلى فرحته العارمة التي عبر عنها تجاه ما كسبه من المال في عدة قرى رغم وجود (بروتاغورس) وأنه قد استطاع أن يعلم شابا في ثلاث أيام فقط!!.

وبالتالي ليس استهزاء وافتراء ما جاء في (مسرحية السحب) أن أبا يحمل ولده إلى السفسطائيين ليتعلم منهم بالأجر فن التهرب من دائنيه ويقول له: هؤلاء الناس سيعلمونك بالأجر كيف تعلي من شأن كل القضايا، العادلة منها وغير العادلة.

وبالنظر إلى ذلك كله يتضح أن السفسطائي عند دخوله في أي منازلة كلامية لا يكون صاحب رأي يتوخى إثباته وإنما صاحب هدف يتحقق بإبطال رأي الخصم مهما كان ذلك الذي سيثبته في نهاية المطاف شريطة أن يكون موجبا لقناعة الجمهور به كعالم لا يقاس به أحد.

وهذا ما دعا المعلم الأول (أرسطو) فيما بعد ليشيد صناعة مستقلة سميت باسم (السفسطة) ليثير فيها الأساليب الملتوية والمشبهة التي اعتمدها السفسطائيين ويعدد أنحاء التضليل التي يمكن أن تعرض كافة جوانب الدليل ليصل أخيرا لأن يعرف السفسطائي بأنه المراء بالحكمة أو صاحب الحكمة المموهة أو المتصنع بزي الحكمة.

وقد عدد المعلم الأول الأهداف الخمسة للسفسطائي في أي منازلة كلامية وهي: التبكيت والتكذيب وإظهار الخصم ضعيف الفهم والرأي والإعجام تضليلا في الكلام وأخيرا الهذر والهتر.

ولكن مع هذا كله فقد أدى تحميل السفسطائي نفسه لهذه المهمة أن يبذل مجهودا فائقا في تطوير الأسلوب الجدلي والخطابي وتشييد علوم اللغة، حتى عُدّ (بروتاغورس) مؤسسا لعلم النحو اليوناني، كما كانت صناعة الخطابة لتتأسس في حضن السفسطائيين وتزدهر صناعة الجدل على يدي (غورغياس) بعد أن أسسها (زينون الإيلي) وكذلك (بروديقوس) الذي كان له الأثر البالغ في تطور علوم اللغة كالنحو والصرف.

بل يمكن أن تعزى صناعة المغالطة إليهم لأنهم هم المطبقون والمحكيون الأوائل لها وإن كان تصنيفها وتشييدها كصناعة مستقلة تحت يدي المعلم الأول.

التحول الجذري لمدلول لفظة (السفسطائي)

بعد أن كان التدليل بكلمة السفسطائي على الرجل الحاذق والماهر في فن أو علم ما ومن ثم كان ذلك الداعي لأن يتسمى السفسطائيون بهذا الإسم ويتفاخرون به.

فإن السلوك الذي انتهجوه والمبادئ التي رفعوها أدت إلى أن يقف الفلاسفة منهم موقف الريبة والتشكيك، ومن ثم تصنيفهم في خانة الانتفاعيين الذين يصطادون الناس بكلامهم توصلا لجني أموالهم وتحصيلا للشهرة والجاه والرفعة وحماية أنفسهم بإقامة العلاقات بذوي النفوذ والمال.

ولذلك لم يتردد (سقراط) وكذا (أفلاطون) في أن يصفوا السفسطائي تارة بالصياد وأخرى بالتاجر وثالثة بمصور الأوهام والخيالات وكل تسمية ناظرة إلى خاصية من خصائصه ولذا جمع التعابير تصنيف المعلم الأول له في خانة المرائين بالحكمة وهي تتضمن الحكاية عن جميع مميزاته إن دافعا وإن غاية وإن أسلوبا وتأثيرا.

وبذلك يظهر جليا مدى التحول الذي أصاب هذا المصطلح إذ انقلب من التدليل به على صاحب مهارة أو علم ما إلى الوصم به عاراً يلاحق صاحبه على طول التاريخ.

البيئة التي أنبتت شجرة السفسطة

لم تكن شجرة السفسطة لتنبت وتكبر وتتدلى ثمارها لتسحر عيون الناظرين لولا أن وجدت الأرض الحاضنة لبذرتها والماء الذي يسقيها ويقوي شوكتها.

ولذلك كان لا بد أن نبحث في التاريخ لنضطلع بالظروف الاجتماعية والسياسية التي عصفت بأرض اليونان وسمحت لجذور السفسطة أن تتشبث ترابها وتلقي بظلها تحت سماء العلم.

فبعد أن تكسر صرح الأرستقراطية على أعتاب الديمقراطية، ونزعت عصا السلطة من أيدي النبلاء، وصار الرقي الاجتماعي والسياسي بمتناول كل الطبقات إثر المنازعات التي قسمت البلاد تعبيرا عن صرخة الضعفاء-وما أكثرهم-من سيطرة الحاكم المطلق العاجز عن إحلال العدل ومنع الظلم، فكان لا بد من إقامة نظام يسكن النفوس ويحفظ الحقوق.

وهذا ما حاول القيام به (صولون:638-539 ق.م.) أحد الحكماء السبعة بعد أن وقع الاختيار عليه لحياديته ونزاهته بنظر الجميع، فوضع الأسس والقوانين وألف المجالس والجمعيات.

ورغم إبقائه على الطبقية إلا أنه أقامها على تقسيم جديد واعتبارات مختلفة جعلت شريحة كبيرة من الشعب في حلبة التنافس لنيل السلطة وإن اختلفت السلطات التي يتاح لبعض دون بعض الترشح لها تبعا للطبقة التي يصنف فيها.

إلا أن هذا النظام لم يكن ليطبق حقيقة إلا على يدي (بيزيستراتوس) الذي أخذ على نفسه إرساء تعاليم (صولون) إلا أنه كان مستقلا بالحكم ولذلك لقب بالطاغية إلى أن جاء من أزاحه عن العرش وكون المجالس الرقابية ووسع المشاركة الشعبية وهو (كليستينيس) الذي ظلًّل الشعب بالنظام الديمقراطي ليأتي من بعده حفيده (بركليس) مستقيا منه منهجه موسعا حق الانتخاب ليشمل الطبقة المعدمة بعد أن كان مقصورا على الطبقات المقسمة بلحاظ قدر الثروة فعمد المعدمون إلى تسجيل معدل دخل أعلى كي يدخلوا في أدنى طبقات أصحاب المال ولم يعترضهم أحد لجزيل الخدمات التي تقدمها هذه الطبقة للبلاد.

وهذا العرض التاريخي يكشف لنا مدى التحول المتناقض ليس فقط السياسي والإجتماعي بل حتى النفسي بالنسبة إلى الأفراد إذ صار باستطاعة الفرد العادي المعدم الانتخاب والاختيار لممثليه بل والترشح إذا حصل قدرا معينا من الثروة واستطاع إجادة فن الإقناع للجمهور بأهليته.

وإذا ضممنا إلى ذلك ما فعله (بركليس) من إعطاء الأجر على وظائف الدولة وتحولها من واجب وطني إلى غنيمة ثمينة فسيصبح السعي نحو الحصول على المناصب السياسية أهم ما يشغل بال الشعب وخصوصا الشباب.

فبعد أن كانت المناصب محصورة بالنبلاء المنتمين إلى الأسر العريقة والثرية الذين كدسوا الثروات وتحكموا برقاب العباد فمن الطبيعي أن يندفع الشعب أيما اندفاع عندما يصبح ما كان محظورا وسببا رئيسيا لشقائهم مسموحا وفرصة حقيقية لسعادتهم.

وبذلك تكون الساحة الاجتماعية قد مهدت ليظهر من يأخذ بأيدي الشباب الطموح ويعطيهم السلاح الذي يخولهم تسلق سلم السياسة عبر تعليمهم فن الإدارة والخطابة والإقناع حتى يكسبوا قلوب الجمهور ويحصدوا أصواتهم ليستندوا عليها في عروجهم السياسي.

وحيث إن الغرض نفعي قائم على السعي لتحصيل الثروة والجاه فلا بد أن يكون المتصدي لتهيئتهم لذلك مشاركا لهم في نفس النظرة وبالتالي لن يكون تصديه للتعليم تبرعا بل بالطريقة المتناسبة مع الرؤية التي يحملها أي طلبا للجاه والثروة وهذا يعني أخد الأجرة على التعليم والتركيز على الأثرياء والترويج للقدرات والمهارات التي يحملونها تسويقا لأنفسهم والتنقل والسفر برفقة التلامذة إذاعة للصيت وجذبا للمتعلمين.

ولا يفترق في التصدي لهذه المهمة بهذا النحو ذو العلم عن الجاهل بل المسألة تتطلب قناعة بالرؤية الأخلاقية -وهذا يكون للعالم كما الجاهل-ومهارةً في التعليم والإقناع وهذا يتوقف على المميزات الشخصية لا العلم.

ولذا كان الإسم الذي أطلقوه على أنفسهم هو (سوفسطائي) واشتهروا به واندمج فيهم حتى عندما اتصفوا بالسلبية اتخذ ذلك الإسم سلبيتهم عنوانا يحكيها على مدى التاريخ.

آثار السفسطائي في المجتمع اليوناني

لقد لقي السفسطائيون الرواج الواسع والإقبال الشديد في المجتمع اليوناني حتى صار التَّتلمذ على يدي السفسطائي أملا يسعى إليه معظم الشباب، ولم يكن ذلك ليقتصر على ذوي الطموح السياسي بل تعدى ليصبح موضع جذب حتى لطلاب العلم الصادقين وذلك بسبب الدعاية التي مارسها السفسطائي عن نفسه بأنه عالم بكل شيء ومعلم للفضيلة والخطابة وقادر على تأهيل تلامذته لأن تكون لهم اليد العليا في أي خصومة كما هي له والتي زجت به في ميدان التنظير للقضايا المختلفة وبالتالي بفضل مهارته الجدلية وبراعته التخييلية ظهر كعالم قل نظيره، .

وشخصية كالتي للسفسطائي إذا ما أخذت مقاليد التربية والإرشاد والتعليم فسوف لن يكون تأثيرها إلا بالنحو المتناسب مع الرؤية التي يرتضيها والتي كانت المحرك لانتهاجه أسلوبه المتميز وبالتالي سينتشر الفكر النفعي وتتحول المصالح والمفاسد الحقيقية إلى كونها مقيسة إلى المصالح والمفاسد الشخصية المحققة للمنافع والأغراض الشهوية والحسية.

ولذلك شن الحكماء حملة قاسية على السفسطائي لمنع تحويله للقيم والمفاهيم الأخلاقية عن واقعيتها حتى أن (سقراط) مع ما له من الثقل العلمي في المجتمع اليوناني دفع حياته ثمنا لذلك.

ومن التأثيرات التي كان الأسلوب السفسطائي سببا لها تحول التعليم في مدينة ما من كونه مهمة ملقاة على عاتق علمائها إلى ازدهار التعلم من السفسطائيين الغرباء عنها المتجولين في المدن ومرافقة التلامذة لهم وهذا ما يعني مصادرة السفسطائيين لمهمة العائلة والمجتمع الخاص في إعداد أبناء مجتمع المستقبل وهذا ما أوجب حسدا ونقمة تجاه السفسطائي من قبلهم على حد ما صرح به (بروتاغورس).