التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 3 مارس, 2014
المشاهدات: 2٬029
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: عنونة وتعديل محمد ناصر

الفرق بين السعادة والاختيار

عندما تحصل هذه المعقولات للإنسان يحدث له بالطبع تأمل، ورويّة وذكر، وتشوق إلى الاستنباط، ونزوع إلى بعض ما عقله أولا، وشوق إليه وإلى بعض ما يستنبطه، أو كراهته، والنزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الارادة، فإن كان ذلك النزوع عن احساس أو تخيّل، سمي بالاسم العام وهو الارادة؛ وإن كان ذلك عن رويّة أو عن نطق في الجملة، سمي الاختيار، وهذا يوجد في الانسان خاصّة، وأما النزوع عن احساس أو تخيل فهو أيضا في سائر الحيوان، وحصول المعقولات الأولى للإنسان هو استكماله الأول، وهذه المعقولات إنما جعلت له ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير وذلك هو السعادة.

ماهية السعادة وطريقها ومعوقاته

وإنما تبلغ السعادة بأفعال ما ارادية، بعضها أفعال فكرية، وبعضها أفعال بدنية، وليست بأي أفعال اتفقت، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عن هيئات ما وملكات ما مقدّرة محدودة، وذلك أن من الأفعال الارادية ما يعوق عن السعادة.

والسعادة هي الخير المطلوب لذاته، وليست تطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شي‏ء آخر، وليس وراءها شي‏ء آخر يمكن أن يناله الانسان أعظم منها، والأفعال الارادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة، والهيئات والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل، وهذه خيرات هي لا لأجل ذواتها بل انما هي خيرات لأجل السعادة، والأفعال التي تعوق عن السعادة هي الشرور، وهي الأفعال القبيحة، والهيئات والملكات التي عنها تكون هذه الأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس.

فالقوة الغاذية التي في الانسان انما جعلت لتخدم البدن، وجعلت الحاسة والمتخيلة لتخدما البدن ولتخدما القوة الناطقة، وخدمة هذه الثلاثة للبدن راجعة إلى خدمة القوة الناطقة، إذ كان قوام الناطقة أولا بالبدن.

والناطقة، منها عملية ومنها نظرية، والعملية جعلت لتخدم النظرية، والنظرية لا لتخدم شيئا آخر، بل ليوصل بها إلى السعادة، وهذه كلها مقرونة بالقوة النزوعية، والنزوعية تخدم المتخيلة وتخدم الناطقة.

الحاجة إلى القوة النزوعية

والقوى الخادمة المدركة ليس يمكنها أن توفي الخدمة والعمل إلا بالقوة النزوعية، فان الاحساس والتخيل والروية ليست كافية في أن تفعل دون أن يقترن إلى ذلك تشوق إلى ما أحس أو تخيل أو روّى فيه وعلم، لأن الارادة هي أن تنزع بالقوة النزوعية إلى ما أدركت، فإذا عُلمت بالقوة النظرية السعادة، ونُصبت غاية، وتُشوقت بالنزوعية واستُنبط بالقوة المرويّة ما ينبغي أن يعمل حتى ينال بمعاونة المتخيلة والحواس على ذلك، ثم فُعل بآلات القوة النزوعية تلك الأفعال، كانت أفعال الانسان كلها خيرات وجميلة.

أما إذا لم تعلم السعادة، أو علمت ولم تنصب غاية بتشوّق، بل نصبت الغاية شيئا آخر سواها وتشوّقت بالنزوعية واستنبطت بالقوة المروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنال الحواس والمتخيلة، ثم فعلت تلك الأفعال بآلات القوة النزوعية، كانت أفعال ذلك الانسان كلها غير جميلة.