التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 30 يونيو, 2015
المشاهدات: 1٬987
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: مع بعض الاضافات

ينبغي أن نقول في الحيلة التي بها يمكننا أن نقتني الأخلاق الجميلة، فأقول: إنّه يجب أولا أن نحصي الأخلاق خلقا، خلقا؛ ونحصي الأفعال الكائنة عن خلق، خلق.

ومن بعد ذلك ينبغي أن نتأمل وننظر أي خلق نجد أنفسنا عليه؛ وهل ذلك الخلق الذي اتفق لنا منذ أوّل أمرنا جميل أم قبيح.

والسبيل إلى الوقوف على ذلك أن نتأمل ذلك‏ وننظر أي فعل إذا فعلناه لحقنا من ذلك الفعل لذّة، وأيّ فعل إذا فعلناه لم نتأذّ به، وإذا وقفنا عليه؛ نظرنا إلى ذلك الفعل؛ هل هو فعل يصدر عن الخلق الجميل، أو هو صادر عن الخلق القبيح.

فإن كان ذلك عن خلق جميل؛ قلنا أنّ لنا خلقا جميلا، وإن كان ذلك عن خلق قبيح؛ قلنا أنّ لنا خلقا قبيحا. فبهذا نقف على الخلق الذي نصادف أنفسنا عليه أي خلق هو.

فكما أنّ الطبيب متى وقف على حال البدن؛ بالأشياء التابعة لأحوال البدن، فإن كانت الحال التي صادف عليها البدن حال صحة؛ احتال في حفظها على البدن، وإن كان ما صادف البدن عليه حال سقم، استعمل الحيلة في إزالة ذلك السقم، فكذلك متى صادفنا أنفسنا على خلق جميل احتلنا في حفظه علينا، ومتى صادفناها على خلق قبيح استعملنا الحيلة في إزالته.

وبالجملة إنّ الخلق القبيح هو سقم نفساني، فينبغي أن نحتذي في إزالة أسقام النفس حذو الطبيب في إزالة أسقام البدن، ثم ننظر بعد ذلك إلى الخلق القبيح الذي صادفنا أنفسنا عليه، وهل هو من جهة الزيادة، أو من جهة النقصان؟ وكما أنّ الطبيب متى صادف البدن أزيد حرارة أو أنقص؛ ردّه إلى التوسّط من الحرارة وبحسب الوسط المحدود في صناعة الطب. كذلك متى صادفنا أنفسنا على الزيادة أو النقصان في الأخلاق رددناها إلى الوسط بحسب الوسط المحدود في هذا الكتاب.

ولما كان الوقوف على الوسط من أوّل وهلة عسرا جدا، التمست حيلة في تحصيل الإنسان للوسط الأخلاقي، أو القرب منه جدا، وذلك كما في تحصيل‏ الوسط في حرارة الأبدان، إذ لمّا عسر الوقوف عليه؛ التمست حيلة في إيقاف البدن عليه أو القرب منه جدا.

والحيلة في إيقاف الأخلاق على الوسط؛ أن ننظر في الخلق الحاصل لنا، فإن كان من جهة الزيادة، عوّدنا أنفسنا الأفعال الكائنة عن ضدّه الذي هو من جهة النقصان، وإن كان ما صادفناه عليه من جهة النقصان، عوّدناها الأفعال الكائنة عن ضدّه الذي هو من جهة الزيادة، ونديم ذلك زمانا، ثمّ نتأمل؛ وننظر أيّ خلق حصل؟ فإنّ الحاصل لا يخلو من ثلاثة أحوال: إمّا الوسط، وإمّا المائل عنه، وإمّا المائل إليه. فإن كان الحاصل هو القرب من الوسط من غير أن نكون قد جاوزنا الوسط إلى الضدّ الآخر؛ دمنا على تلك الأفعال بأعيانها زمانا آخر، إلى أن ننتهي إلى الوسط، وإن كنّا قد جاوزنا الوسط إلى الضدّ الآخر، فعلنا أفعال الخلق الأوّل، ودمنا عليه زمنا؛ ثمّ نتأمل الحال، وهكذا كلّما وجدنا أنفسنا مالت إلى جانب عوّدناها أفعال الجانب الآخر، ولا نزال نفعل ذلك إلى أن نبلغ الوسط؛ أو نقاربه جدا.

وأمّا كيف لنا أن نعلم أنا قد وقفنا أخلاقنا على الوسط، فإنّا نعلم بأن ننظر إلى سهولة الفعل الكائن عن النقصان أو الزيادة، هل يتأتى أم لا؟ فإن كانا على السواء من السهولة، أو كانا متقاربين؛ علمنا إنّا قد وقفنا أنفسنا على الوسط.

وامتحان سهولتهما؛ هو أن ننظر إلى الفعلين جميعا؛ فإن كنّا لا نتأذّى بواحد منهما، أو نلتذ بكلّ واحد منهما، أو نلتذ بأحدهما ولا نتأذّى بالآخر، أو كان الأذى عنه يسيرا جدا؛ علمنا إنّهما في السهولة على السواء ومتقاربين.

ولما كان الوسط بين طرفين؛ وكان قد يمكن أن يوجد في الأطراف ما هو شبيه بالوسط؛ وجب أن نتحرز من الوقوع في الطرف الشبيه بالوسط، ومثاله: التهوّر، فإنّه شبيه الشجاعة، والتبذير شبيه السخاء، والمجون شبيه الظّرف، والملق شبيه التودّد، والتجاسر شبيه التواضع، والتصنّع شبيه صدق الإنسان عن نفسه.

وأيضا فإنّه لما كان في هذه الأطراف ما نحن أميل إليه بالطباع؛ لزم أن نتحرّز من الوقوع فيه، مثال ذلك: النقصان من الإقدام على‏ الأمر المفزع فإننا أميل إليه بالطبع، وكذا التقتير.

وأحرى ما يتحرّز منه ما كان من الأطراف نحن إليه أميل، وهو مع ذلك شبيه الوسط. مثال ذلك المجون؛ فإنّ الإفراط في استعمال الهزل لما كان ملذّا أو غير مؤذ، خفّ عمله فصرنا إليه نميل وهو شبيه بالوسط الذي هو الظرف.

إلى هنا فقد بقي أن نعرف ما الذي ينبغي أن نستعمله آلة يسهل بها علينا الانجذاب من طرف إلى طرف، أو إلى الوسط؛ فإنّ الروية وحدها ربّما لم تكن كافية من دون هذه الآلة، فنقول:

إنّا إنّما صار القبيح سهلا علينا فعله؛ بسبب اللّذة التي عندنا إنّها تلحقنا بفعل القبيح، ونكتسب؛ الجميل متى كان عندنا أنّه يلحقنا به أذى، من قبل أنّا نظنّ أنّ اللّذة في كلّ فعل هي الغاية، ونحن فإنّما نقصد بجميع ما نفعله هذا. واللّذات منها ما يتبع المحسوس مثل اللّذات التابعة لمسموع أو منظور إليه، أو مذوق أو ملموس أو مشموم. ومنها ما يتبع المفهوم؛ مثل اللّذات التابعة للرئاسة والتسلّط والغلبة والعلم، وما أشبه ذلك.

ونحن دائما إنّما نتحرى أكثر اللّذات‏ التي تتبع المحسوس ونظنّ أنّها هي غاية الحياة، وكمال العيش من قبل ممارستنا لها من أوّل وجودنا، وأيضا فإنّ منها ما هو سبب لأمر ضروري؛ إمّا لنا وإمّا في العالم، أمّا الذي لنا فهو التغذّي الذي به قوامنا في حياتنا، وأمّا الضروري في العالم؛ فالتناسل، وبهذا نظنّ أنّها في غاية العيش؛ ونظنّها هي السعادة.

ومضافا إلى ذلك فإنّ المحسوس أعرف عندنا، ونحن له أشدّ إدراكا، والوصول إليه أشدّ وضوحا وسهولة، وحيث قد تبيّن بالنظر والتأمل إنّها هي الصادّة لنا عن أكثر الخيرات متى زادت عن المقدار الذي ينبغي، وأن إفراطنا في تقصيها يعيقنا عن أعظم ما تنال به السعادة، فللازم علينا أنّا متى رأينا أنّ لذّة محسوسة تفوتنا، لفعل جميل، ملنا إلى تنكّب الجميل والتـأبط به، ومتى بلغ من قوّة الإنسان أن يقنن هذه اللّذات، فيطرح ما يحتاج إلى طرح وينال بقدر متوازن مما كان نيله كمالا؛ فقد قارب الأخلاق المحمودة.

واللّذات التابعة للأفعال سواء أكانت لذة محسوسة أو لذّة مفهومة، فهي إمّا عاجلة وإمّا عاقبة، وكذلك الأذى. ولكلّ واحد من هذه اللّذات التابعة أفعال تتبع على أحد وجهين: وذلك إمّا أن يكون شأن ذلك الفعل دائما أن يتبعه لذّة أو أذى؛ مثل الألم الذي يتبع الاحتراق؛ واللّذة التي تتبع الباءة؛ فإنّ شأن الاحتراق إذا لحق الحيوان؛ أن يتبعه أذى أو ألم. وإمّا أن يتبع الفعل الأذى؛ بأن يعرض بالشريعة فيكون تابعا للفعل من غير أن يكون شأن ذلك الفعل أن يتبعه دائما؛ وذلك الأذى مثل حال الزاني وقتل القاتل.

والأفعال الجميلة التي يتبعها أذى في العاجل، فإنّ تلك لا محالة تتبعها لذّة في العاقبة وإلا لما كانت جميلة.

والأفعال القبيحة التي تتبعها لذّة في العاجل، فإنّ تلك يتبعها أذى في العاقبة لا محالة وإلا لما كانت قبيحة.

وينبغي أن تحصي اللّذات التابعة لفعل فعل، والأذى التابع له، ونميّز ما منها لذّته عاجلة وأذاه في العاقبة:

فمتى ملنا إلى فعل قبيح بسبب لذّة ما، وظننا أنّها تتبع القبيح في الآجل، قابلنا تلك اللذّة بالأذى التابع له في العاقبة؛ فقمعنا به اللذّة الداعية لنا إلى فعل القبيح، فيسهل علينا بذلك ترك القبيح.

ومتى ملنا إلى ترك‏ فعل جميل بسبب أذى يلحق في العاجل، قابلناه باللّذة التي تتبع الجميل في العاقبة؛ فقمعنا به الأذى الصارف لنا عن الجميل، فيسهل علينا فعل الجميل.

وأيضا متى ملنا إلى قبيح بسبب لذّة فيه عاجلة؛ قابلناها بما فيها في الآجل من القبح.

والناس منهم من له جودة الروية وقوّة العزيمة على ما أوجبته الروية؛ فذلك هو الذي جرت عادتنا أن نسميه الحرّ باستيهال؛ ومن لم تكن له هاتان؛ ففي عادتنا أن نسميه الإنسان البهيمي. ومن كانت له جودة الروية فقط دون قوّة العزيمة؛ سميناه العبد بالطبع وقوم ممّن ينسب إلى العلم أو يتفلسف، قد عرض لهم ذلك، فصاروا في مرتبة من ليس له دون الأوّل في الرّق، وصار ما ينسبون إليه عارا عليهم ومسبّة، إذ صار ذلك باطلا لا ينتفعون به.

ومنهم من له‏ قوة العزيمة وليست له جودة الروية، ومن كان كذلك؛ فإنّ الذي يروّي له غيره؛ وهو إمّا أن يكون منقادا لمن يروّي له أو غير منقاد، فإن كان غير منقاد فهو أيضا بهيمي، وإن كان منقادا نجح في أكثر أفعاله، وبهذا السبب قد خرج من الرّق وشارك الأحرار.

واللّذات التابعة للأفعال بعضها أعرف؛ ونحن لها أشدّ إدراكا، وبعضها أخفى، والأعرف هو ما كان في العاجل؛ وكان لذّة محسوسة، وكذلك الأذى؛ فإنّ ما كان منه في العاجل، وكان‏ عن محسوس فإنّه أظهر عندنا؛ ولا سيما إذا كان مع ذلك أذى وضع في الشريعة.

والأخفى ما سوى ذلك من اللّذات والأذى، وأخفى ذلك ما كان بالطبع، وكان في العاقبة وكان مع ذلك غير مفهوم. وما كان من ذلك عاجلا وبالطبع فهو دون ذلك في الخفاء، وكذلك ما كان منها في العاقبة وكان غير محسوس.

أمّا الأحرار من الناس؛ فإنّهم متى أرادوا أن يسهّلوا على‏ أنفسهم فعل الجميل وترك القبيح باستعمال اللّذة والأذى؛ فإنّ الأخفى منهما والأظهر عندهم بمنزلة واحدة. فإنّ اللّذات الداعية لهم إلى القبيح تنقمع بالأذى، وإن كان الأذى‏ من التي هي أخفى. كما ينقمع بما هو أظهر، من قبل أنّ جودة رؤيتهم تجعل ما شأنه أن يخفى على الأكثر بمنزلة الأظهر.

وأمّا من سواهم من الناس؛ فليس يكتفون بذلك دون أن تقمع لذّاتهم بأذى أظهر ما يكون؛ وعسى أن يكون من هؤلاء من يكتفي فيهم-متى مالوا إلى القبيح بسبب لذّة عاجلة-أن يقمع بلذّة توضع مانعة لتركه، أو تفعل ضده؛ فبهذا الوجه ينبغي أن يؤدّب الصبيان. فإن كان ممّن لا يكفيه ذلك؛ زيد إليه أذى يعقب القبيح، ويجعل الأذى أظهر ما يكون. وبهذا الوجه-أعني الوجه الأخير-ينبغي أن يدبّر البهيميون، ومن لا يكتفي فيه بالوجه الأوّل.

وأظهر اللّذات والأذى ما لحق الحواس، وأمّا ما يلحق الإنسان وليس من حواسه؛ فهو: مثل الخوف والغمّ وضيق الصدر؛ وما أشبه ذلك.

ومن البهيميين من يكتفي فيهم بهذا الأذى وحده، ومنهم من لا يكتفي فيهم‏ بذلك، إلا أن يلحقهم أذى في حواسّهم.

وأحرى ما تأذّى به الإنسان في حسّه هو ما لحق حسّ اللّمس، وبعده ما يلحق حسّ الشّم، وحسّ الذوق، وبعد ذلك ما يلحق باقي الحواس. فبهذا السبيل يقدر الإنسان على تسهيل سبيل الخير وترك الشرّ عن نفسه وعن غيره. وهذا المقدار من القول كاف هاهنا، واستقصاء القول فيه هو للمعني بالنظر في علم السياسة.