التصنیف: الأخبار
التاریخ: 26 نوفمبر, 2013
المشاهدات: 2٬077
الطباعة
إرسل لصدیقك
بقلم: السید محمود الهاشمي

وأوضح سماحته في مقابلة مع وكالة رسا للأنباء، “إذا ما عزز الجانب العقلي ازداد الاتجاه إلى الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وتلك هي الوظيفة الأساسية للفلسفة الإسلامية”، لافتاً إلى أن ” الفلسفة الإسلامية حازت مكانة خاصة وتطبيقية بين العلوم الإنسانية ، ولها عمر يناهز مئة عام في الحوزات العلمية بصفتها فرع أساسي يدافع عن حمى الدين والمذهب ، غير أنها تأثرت بما تعرضت إليه من نقد كبار علماء الحوزة وإشكالاتهم ، ما أوجد بعض الاضطراب في شموليتها وأداء وظائفها”.

وينشر موقع أكاديمية الحكمة العقلية نص المقابلة التي أجراها مراسل وكالة رسا مع الشيخ الدكتور أيمن المصري

رساـ أي مكانة للفلاسفة المسلمين في مصر وسائر البلدان الإسلامية ؟

أكثر مايلفت النظر في مصر وبقية البلدان العربية هو الفلسفة الغربية التي تدرّس في أغلب الجامعات ، وليس للبلدان العربية أي معرفة بالملا صدرا سوى أنه عارف فحسب ، وكذلك للغربيين هذا الرأي أيضاً ، أما الحكمة المتعالية فليس لها أي مكانة في مصر ، والسائد في هذا البلد هو الفلسفة الغربية المعاصرة .

رسا ـ ماهو تاريخ ودور ابن سينا في الفلسفة الإسلامية وأي تأثير تركه ؟

الفلسفة بمعنى الاستفادة من الأسلوب القائم على البرهان والعقل . والفلسفة التي أوجدها ابن سينا هي الفلسفة الأرسطية العقلانية المحضة التي ليس لها أي علاقة بالنقل والكشف وتستند إلى العقل فقط ، وابن سينا عقلاني اعتمد البرهان فحسب ومنح الفلسفة الأرسطية انتقالة كبيرة واستفاد كذلك من تجربة أرسطو ، لكنه امتلك ناصية آراء كثيرة خاصة به وحقق نتائج علمية وفلسفية متكاثرة .

وأنا مؤمن بابن سينا ، لأننا لو أردنا أن نصل إلى الحقيقة فيجب أن نسلك سبيل البرهان حيث لايمكن بلوغ اليقين باعتماد سبل أخرى ، فالفيلسوف باحث عن الحقيقة والبرهان هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الحقيقة ، فالبرهان والعقل اختارهما ابن سينا للفلسفة ، وأضاف إليهما الملا صدرا النص والقرآن .

لقد ارتقى ابن سينا بمستوى الفلسفة إلى مديات عالية ، ولكني اعتقد أن المرحوم ميرداماد أكثر رقياً من ابن سينا ، وللأسف تعرضت فلسفته للحيف والظلم ، وأنه أعلم من ابن سينا والملا صدرا ، ولذلك أدرّس جميع كتبه في الحوزة ، فقد أوصل ميرداماد الحكمة المشائية والفلسفة العقلية المحضة إلى ذروتها ، واعتبره خاتم المشائين ، أما الملا صدرا فقد اتخذ المنهج الإشراقي والموضوعي ووضعه في عرض فلسفة ميرداماد .

رسا ـ تعرض دور ابن سينا مدة إلى التهميش وسجلت عليه تهجمات من قبل فخر الدين الرازي والغزالي ، ماهو السبب في ذلك ؟

جميع علماء الكلام يضعون الفلاسفة المسلمين في خانة الأعداء ، لأنهم يرون أن أسس ونتائج الفلسفة تخالف القرآن والسنة والدين ، ولهذا السبب يقفون ضدهم ، فأمثال فخر الدين الرازي خالفوا ابن سينا للسبب ذاته ، والدافع بالطبع هو الدفاع عن الدين ، فهو فقيه ومحدث وعالم ديني ويعتقد بأن الوقوف بوجه الفلسفة من واجباته ، وظل الأمر كذلك حتى أتى المحقق الطوسي ودافع بعزم عن الحكمة المشائية ورد آراء الرازي ونظرائه ، وبعد ذلك الرد وموت علم الكلام في العالم الإسلامي حلت ضربة شديدة بالفلسفة الإسلامية ، وللأسف بدلا من أن تتطور الفلسفة نشأت اتجاهات مختلفة كالأخبارية والسلفية ، وهي ماتزال موجودة إلى الوقت الحالي .

رسا ـ هل تعتقد بأن وصول المتكلمين إلى السلطة عامل أساسي لانزواء مدرسة ابن سينا في العقود التي تلت عصره ؟

نعم ، فكتب من قبيل مصارع الفلاسفة أثرت في هذا الإنزواء ، وكان لفلسفة الملا صدرا تأثير كبير في تضعيف فلسفة ابن سينا ، لأن أغلب مؤيدي الحكمة المتعالية يدّعون أنها ناسخة للحكمة المشائية ولاحاجة بعد ذلك إلى فلسفات أخرى ، ولكن هذه النظرية نادرة ولايجب الإعراض عن هذه الفلسفة ، فالحكمة المشائية لها وظيفتها وشأنها الخاص ولا يمكن استبدالها بالحكمة المتعالية .
أنا مع الحكمة المشائية وأود إحياءها وبخاصة فلسفة ميرداماد التحليلية التي تخدم الإسلام لأنها ليست مزيجاً من علم الكلام والعرفان ، ويمكنها لاتجاهها العقلي الخالص استقطاب أنظار كثير من المخاطبين الذين لايتفقون في آرائهم الكلامية والعرفانية ، ولكن العقل بمفرده يخاطب الجميع ويقفون حياله موقف المؤيد المذعن ، كما أن هذ الفلسفة تؤازرنا في المجال السياسي دون إثارة حساسية من نوع ما .

رسا ـ هل مواجهة صدر المتألهين لفلسفة ابن سينا تختلف عن مواجهة نصير الدين الطوسي لها ؟

نعم ، المحقق الطوسي كان مدافعا عن الحكمة المشائية والفلسفة المحضة لا عن الفلسفة المتعالية ، أما الملا صدرا فقد دافع عن الفلسفة والعرفان الإسلامي وفرضت عليه قيود سياسية كثيرة ، في حين شغل ابن سينا بالبرهان وتكلم عن العقل فقط ولم يتحدث عن القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) والعرفاء ، ولذلك كان طيفه أكثر اتساعاً ، وهذا على جانب كبير من الأهمية .

رسا ـ هل استفاد صدر المتألهين من فلسفة ابن سينا بغض النظر عن حكم الآخرين في أنه نسخ فلسفة ابن سينا ؟

استفاد ، ولكن من ثلثها ، على أن الفلسفة لايمكن تبعيضها. وهو قال أيضاً بالقرآن والحديث والمكاشفة ، أما العقل بمفرده فهو مايذعن له الجميع ، وهذا الأمر مهم جداً من الناحية التطبيقية ، ولذلك عندما شرع العلامة الطباطبائي في تدريس الأسفار الأربعة للملا صدرا بمدينة قم اعترض عليه المرجع الأعلى للشيعة آنذاك وهو المرحوم آية الله البروجردي وطلب إنهاء هذه الدروس ، فذهب العلامة لمقابلة آية الله البروجردي الذي سأله : بأي دليل تدرّس الأسفار؟ فأجاب العلامة: إن العلمانيين والشيوعيين والماديين يعملون بكثافة في إيران ويجب أن نرد عليهم . فقال له المرحوم البروجردي : إذا كنت تريد أن ترد عليهم فردّ بالبرهان لا بالأسفار .وهذا قول حكيم ،فآية الله البروجردي رجل ذو علم وبصيرة وفهم ، ويعترف بفلسفة ابن سينا وحدها .

رسا ـ رأيك الخاص إذن هو أن الفلسفة الإسلامية المعتمدة على البرهان أكثر تأثيراً وينبغي أن تعزز دعائمها في الحوزة العلمية ؟

نعم صحيح تماماً ، فالعقل هو السبب الرئيسي لاعتناق الإنسان لدين حقيقي لا إسلام مزور ،وأسس الإسلام الأصيل قائمة بأكملها على ركائز عقلية ، وهو مختلف عن سائر الأديان ، وإذا ما عزز الجانب العقلي اتسع الاتجاه إلى الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، إن التشيع والإسلام وحتى الأخذ بيد الناس إلى اعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) غير كافية ، بل القراءة الصحيحة هنا على غاية قصوى من الأهمية ، فهناك قراءات مختلفة في الإسلام وحتى في المذهب الشيعي ، فشخص مثل عبد الكريم سروش شيعي لكن له قراءة بعيدة عن القراءة السليمة للشيعة ، فنحن بالعقل وجدنا الدين والمذهب الصحيحين ، والعقل هو من يهدي الإنسان إلى المذهب السليم ، والاتجاه العقلي يساعد في اختيار الدين والمذهب والمدرسة الصحيحة ، وعندما يسألوننا: لماذا اعتنقتم الإسلام والمذهب الشيعي ؟ نقول: لأنهما متوافقان مع العقل . وجوابنا منطقي ، ولكننا لو ابتعدنا عن العقل فلن نتمكن من الإجابة المنطقية ، وإذا ماسادت العقلانية في المجتمع ساد الإسلام كذلك ، ونحن لانستطيع الدخول إلى المجتمعات العربية حاملين لواء التشيع وولاية الفقيه وحزب الله ، فالدول الاستعمارية لاتسمح بذلك ، ولكننا ندخل دون عناء براية العقلانية ولاتثار أية حساسية ، لأن العقلانية لاتتعلق بالتشيع وولاية الفقيه فحسب من جهة ، ومن جهة أخرى فأن التشيع وولاية الفقيه موجودة في العقلانية ، وأن إرساء الأسس العقلية سيجرنا إلى الإسلام المحمدي الأصيل .

رسا ـ أنتم ترون أن الاستفادة من الحكمة المتعالية خاص بالعالم الإسلامي وأن االمبدأ الأصلي هو العقل ، فما هي الفائدة من الحكمة المتعالية إذن ؟

لقد كانت قراءة الملا صدرا فلسفية عقلية كالقراءة العرفانية ، ونحن لانقول بندرة ذلك ، ولكن مايفهمه الجميع هو القراءة العقلية لا الفلسفية ، فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن فيلسوفاً بل كان عاقلا معتدلا صادقاً ، وما اهتم به الملا صدرا يتعلق بباطن الدين ، والمتدينون واعون جيداً لكلام الملا صدرا ، ولكنه لاطائل منه في الجانب السياسي والاقتصادي والقضايا الدنيوية ، فالانسان يجب أن يكون عقلانياً ليصل إلى اليقين .

والحكمة المتعالية لافائدة عملية منها حتى في بحث أسلمة العلوم ، وأن نجعل العلوم عقلانية أفضل من جعلها إسلامية ، فأسلمتها شيء حسن كثيراً ونوافق عليه، ولكننا سنبتعد عنه بذريعة هذه المشكلة : وهي أنه وفقاً لأي قراءة سيتم هذا الأمر؟

وتعرض الإصلاحيون لهذه المشكلة أيضاً ، فحينما سيطروا على البرلمان كانوا يعترضون على مجلس الأمناء ويقولون بأن هذا القانون ـ مثلا ـ قد رفض ولا وجه لمخالفته الإسلام ، وذلك لأن قراءتهم مختلفة للإسلام .
فعقلنة العلوم هي أسلمتها ، ولكننا لوقلنا بإسلاميتها فسيقولن : أي إسلام تعنون ؟ ولهذا تبدو العقلانية أفضل .

رسا ـ ماهو رأيكم بالعرفان الإسلامي ؟ وكيف تقيمون منزلة أمثال ابن عربي ؟

أنا مخالف للعرفان النظري ، وأتفق تماماً مع العرفان العملي واعتبره هو حقيقة الإسلام . العرفان النظري مثل علم الكلام إما يرجع إلى الفلسفة وإما يتعرض للبطلان . فإذا كان ذا منهج برهاني فهو فلسفي يعود إلى الفلسفة ، وعلم الكلام كذلك إذ لو أرجعنا أسلوبه إلى صناعة الجدل فسيغدو فلسفة لاعلم كلام ، والكلام لايمكنه أن يكون بديلا للفلسفة ، فلو أردنا بلوغ اليقين فسنصل إلى البرهان ، ولو أراد المتكلمون الاستناد إلى البرهان فسيصبحون فلاسفة .
والمشكلة الأساسية مع الفلسفة هي سياسية لاعلمية ، فأمثال الرازي والغزالي ليسوا أقل شأناً من ابن سينا ، ولكن المتكلمون كانوا يصرون على أن لا تدخل الفلسفة إلى الدين ، لقد اختطفوا الفلسفة وأرادوا أن يضعوها تحت تصرفهم ، واعتمدوا في الوقت نفسه على الأساليب الفلسفية في الآيات والروايات ، مما سبب نشوء فتنة كبيرة بين الأمة ، وما ظهور اثنتين وسبعين فرقة إلا إحدى بركات هؤلاء المتكلمين.