التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 15 يونيو, 2014
المشاهدات: 3٬751
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشيخ عبدالله العلي
ملاحظات:

    مقالات اخرى للكاتب

كثيراً ما نسمع البعض يتداول مصطلح الاقصائية أو الاقصائي عند الحكم على أشخاص يخالفونهم في المعتقد أو الراي. وارتأيت بهذا المقال أن نسلط الضوء على هذا المصطلح واستعماله بين أوساط المفكرين في هذا العصر. ولنبدأ بالنظر في معنى الاقصائية وما المراد منها حين استعمالها؟ وهل هو دائما أمر سلبي كما يراه البعض أم له جانب من الايجابية؟

وبنظرة استقرائية عابرة لاستخدامات هذا المصطلح قد يقال ان المقصود منه – بحسب ما يتبادر الى الذهن – هو إبعاد فكرٍ او رأي ما عن ساحة النقاش والفكر والمعرفة. أي إن المرء عندما يكون اقصائياً فهو لا يقبل أي رأي أو فكر آخر في مجال المعرفة واكتشاف الواقع. وتستخدم الاقصائية -عادة -كتوصيف سلبي لفكر شخصية ما أو مدرسة فكرية.

واذا بنينا على هذا المعنى فلنتوقف قليلاً بمحاكمة هذا الاصطلاح ومستخدميه بشكل موضوعي. ونبدأ بالتحري عن منشأ هذه الحالة ـ أعني الحالة الاقصائية ـ في الفرد أو في المدرسة الفكرية. فاذا أمعنا النظر نجد أن منشأ هذه الحالة اما بسبب الأدلة أو المنهج التي يتمسك بها هذا الشخص من حيث هو فرد أو من حيث هي مدرسة فكرية وإما حالة خلقية ونفسية مستندة الى التعصب والتقليد الأعمى، اي من دون دليل علمي يستند اليه.

فان كانت الحالة من قبيل الثاني فنعم الاقصائية فيها غير مقبولة بحكم العقل العملي، فالنظر الى الأمور من زاوية تقليدية عمياء مذمومٌ عند العقلاء. وأما إذا كانت الحالة من قبيل الأول فهل تكون الاقصائية هنا مذمومة؟ لا أظن ذلك، بل لا مبرر ولا موضوع لها هنا؛ لأن صاحب الدليل والمنهج إنما أقصى مَن يختلف معه لا لأمر شخصي بينهما –حسب الفرض -ولكن بحسب الدليل والمنهج، وإذا أردنا ان ننسب الاقصائية في هذه الحالة لأحد فعلينا أن ننسبها الى الدليل أو المنهج. ولا قبحَ في ذلك؛ لأن الدليل البرهاني مثلاً يستحق هذا الوصف بما أنه قد أقصى الدليل الظني والموهوم عن ساحة المعرفة، لأنهما لا يستحقان أن يتقدما عليه في البحث المعرفي إلا إذا أذن لهما العقل. ولا يمكن أن نقبل كل الأدلة المتنافية فيما بينها لاستحالة ذلك إلا أن نقول بالنسبية وهي باطلة كما هو واضح. ولا مجال للأهواء والعاطفة في البحث المعرفي والمنهج الفكري لما له من أهمية في تحديد الرؤية الكونية للفرد. فلا النسب أو المذهب أو الاجتهاد العلمي والنضال الجهادي له أن يستعطفنا لقبول أو رفض رأي ما.

ولابد أن نشير الى أنه ليس لأحد ان يستعمل هذا المصطلح ضد من يخالفونه لأنه قد يكون هو أيضاً كذلك من ناحية الدليل والمنهج المعرفي. نعم ان كانت الاقصائية من ناحية السماع للطرف المخالف فهذا أمر آخر . فآداب الحوار العلمي تقتضي أن يسمع الكل من الكل، ويحترم الفرد خصمه في مقام النقاش والتعبير عن الرأي. وهنا تكون الاقصائية مذمومة بحكم العقل العملي.

ومن المؤسف أن يستخدم هذا المصطلح كأداة اعلامية ارهابية ضد المناهج الفكرية المختلفة لتنفير البعض عنها. بل حتى لو التقينا شخصاً تابعاً لمدرسة فكرية ما وله هذه الحالة الاقصائية فلا يحق ان ننعت المدرسة بمن فيها بهذا الوصف وكأن الاقصائية صارت ركنا من أركانها، بل على أضعف التقادير ننسبه الى هذا الفرد أو ذاك ممن التقينا. وهذه الحالة تتعلق بأمور تربوية وخلقية فإن اعتاد هذا الانسان عليها فمن باب الأخوة والزمالة الفكرية ننبهه عليها بالوعظ والارشاد. وبغض النظر عن الاختلاف فهذه المدرسة أو تلك انما تبنت هذه الرؤى بحسب الأدلة مع افتراض سعيهم المخلص لمعرفة الواقع.