التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 26 ديسمبر, 2016
المشاهدات: 3٬007
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور سعد الغري
ملاحظات:

كثيرا ما نسمع بمصطلح الاستعمار وتنصرف أذهاننا الى دول غازية تأتي وتحتل بلد آخر بقوة السلاح وتكبده خسائر مادية كبيرة، لغرض الاستفادة منه اقتصاديا وسياسيا وغيرها.

وهذا المعنى المتبادر ما نجده في الموسوعات والكتب التي تتضمن شرح المصطلحات السياسية. وهذا المعنى يرجع تاريخه الى عهد الدولة الفينقية، وإن كان العمل به جاء في القرن الخامس عشر.

وحينما نتأمل في المصطلح نجده يشير الى انواع متعددة من الاحتلال، مع مراعاة وحدة المناط وهي (الاحتلال والاستعمار) فإن ما ذكرناه قبل قليل هي واحدة منها ، واما المعاني الأخرى فلاندكاكنا بها وتعايشها معنا لا نستطيع أن نميزها.

فمرة ياتي المستعمر بالمباشرة فيأتي بنفسه وبقواته واسلحته ويضع افراده في معرض الخطر، وقد يقلب عليه الرأي العام، وهذا النوع من الاستعمار من اجل تحصيل مصالحه التي يطلبها والتي غالبا ما تكون مادية ووهمية (النفوذ والشهرة). ان الحرب والاستعمار بهذا المعنى قد تكون لها كوارث مالية وبدنية على البلد المحتل على أكثر التقديرات، ولكنه يبقى وينظر الى المُحتَل على أنه عدوه وينشئ جيلٌ يدافع عن البلد ويقدم التضحيات في سبيل ذلك.

ومرة أخرى بتدريب عناصر فيهيء جيش ليس من نفس ابناء البلد وهو ما يطلق عليه مرتزقة، ويهجم على البلد المراد استعماره، وغالبا ما تكون وراءه اهداف سياسية خطيرة.

واخرى يجلب افراد من نفس البلد المستعمر ويهيئهم كمعارضة للبلد المراد استعماره وتقوم بنفس العمل الذي يقوم به، فيحصن سمعته ويبين للآخرين أنه جاء لينصر المظلومين من ابناء البلد، وأن هذا الأمر هو اختيار مطلق لأهل البلد ليس لهم أي تدخل فيه.

وهذه الطرق المختلفة قد توصل الى النتيجة بسرعة ولكن فيها سلبيات كثيرة واحدة منها عدم دوامها، كما تأتي سريعا تذهب سريعا، فإن القتل يعوض عن طريق الأجيال الأخرى، وكثيرا ما استعمرت الدول وحررت ورجعت الى وضعها الطبيعي مع عداء ضغين تحمله الأجيال على الدول الغازية المستعمرة، كما أن الاقتصاد يعوض أسرع من القتل، وحينما تتكبد القوى المحتلة خسائر مادية وجسدية فإنه يمكن ان تؤخذ المادية من البلد أما الجسدية فقد تؤدي الى قلب الرأي العام ضدها وتظهر معارضة لها وهي غنية عن ذلك كله.

وهناك هيمنة واحتلال أخطر بكثير من الذي ذكرناه، وهو ما يسمى بالهيمنة والاستعمار والاحتلال الفكري بوسائل وآليات مختلفة ، يمكن ان تأتي بالفوائد التي تحصل من الطرق السابقة، وليس فيها أي مخاطر على أرواح جيشهم وتكاليفهم المادية أقل بكثير من الطرق الأولى.

ان الاستغلال الاقتصادي والعسكري السياسي خطره للدول المستعمرة أقل خطورة، بل لا تقاس خطورتها نسبة إلى الاستعمار الفكري والذي يريد أن ينشر مجموعة أفكار ويطرحها، وبالتالي ينشأ مجتمع مبني أساسه على هذه الأفكار والمعتقدات ويتغير تبعا لها، لذلك يعد الاستعمار الفكري من أخطر أنواع الاستعمار على وجه الأرض، فهي تقوم برسم مخططات واستراتيجيات تثمر بالنهاية وتأتي تؤلف مجموعة أفكار بصياغات وصور متنوعة ثم تنشرها عبر آليات ووسائل مختلفة، وهي ما تسمى حاليا بالقوة الناعمة (Soft power) أو بالحرب الناعمة (soft war)، والتي سارت على وفقها القوى الكبرى لتسيير وضعها السياسي، وأول من أشار الى هذه المسألة بصورة علنية هو جوزيف ناي عام 1990م في كتابه “مُقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية” وبعدها قام قام بتطوير المفهوم في كتابه “القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية”، الذي أصدره بعد كتابه الأول بعقد ونصف أي في عام 2004م ، فأخذ هذا المصطلح ينتشر على صعيد السياسة والمحللين الساسة على مستوى واسع.

فالمسألة اصبحت ظاهرة للعيان، وتستخدم سبلا متنوعة فعلى سبيل المثال ان وزيرالدفاع الأميركي (روبرت غيتس) يطالب بتعزيز هذه القوة في إميركا عن طرق مختلفة منها: “زيادة الإنفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية ، والاتصالات الاستراتيجية، وتقديم المساعدة الأجنبية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية”، فاصبحت الدول تتبجح باستخدام هذه الأساليب امام الملأ مما يكشف عن الخطر المحدق المحيط بنا.

والهيمنة الفكرية أو ما يسمى بالقوى الناعمة على عدة صور، منها:

1ـ الإعلام: الذي يمكن تقسيمه الى المرئيات والمسموعات والكتابات، والمرئيات من خلال الافلام والمسلسلات والمقاطع المختلفة، والمسموعات من خلال الأغاني والموسيقى، وتتلون بألوان مختلفة عبر الشبكات العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة، الالعاب الالكترونية، والكتابات عن طريق المقالات أو المغالطات التي تكتب في مواقع التواصل ويتنقلها الشباب كنص معصوم فيرسم خريطة حياته وفقها.

السينما: له الحصة الكبرى ضمن الوسائل والآليات، فحينما يراد نشر فكر معينة وتمييع خلق ما لايخدم مصالح الاستعمار؛ تزرق الأفكار المضادة لهذه الافكار والاخلاق على مستوى بسيط في فلم معين؛ ثم يلاحظ رد الفعل تجاه هذا الفايروس الفكري، وبعدها يكرر الحقن بطريقة أخرى، حتى تعتادها الأجيال؛ جيل بعد جيل فتحصل قناعة تامة للجيل الأخير، فيعتقد بضرورتها وبكونها جزءا لا يمكن تفكيكه من منظومته الفكرية ومن المجتمع الذي يعيش فيه.

وهذا ما تجسده حاليا الشركات السينمائية الكبرى، فإن هوليود تعتبر من اغنى شركات العالم في انتاج وتوزيع الأفلام التي تدس السم في العسل على جميع الأصعدة، والمستويات (الاطفال، البالغين، السياسة، المغامرات، الرومانس، الرعب …) مكرسة بالكلية في نشر أفكار مسمومة خدمة لمصالح بعض المنتفعين منها.

هنا القوى الغازية لم تخسر إي جندي، ولم تثر ضجة الرأي العام ـ إن وجدت مثل هذه المسألة ـ وأهم من ذلك انها نشرت أفكارًا فاعتادت عليها العقول الساذجة واخذت تعدها من مقومات مجتمعاتها رغم أنها حديثة جدا، فأنشأت جيلا تملكه وهي في مكانها.

كل ما تحتاج إليه في نشر هذه الأفكار هو: عامل الزمن، والصبر وآلية مدروسة في كيفية التعبيرعن هذه الفكرة وما هي الآليات اللازمة لمثل هكذا عمل، وهذا ما تقوم به مؤسساتها الضخمة غاياتها الأولى كيفية نشر الأمور المرادة من دون خلل في الغاية.

فيأثر على السلوك وبالتالي ينتج الأهداف المرادة بصورة غير مباشرة، فإن أراد نشر قيمة اخلاقية ما، وهي في عرف هذا البلد غير صحيح، ينشر أولا هذه القيمة مع اضافات تحسينية محاولا عدم إفزاع الرأي العام والعرف الذي هو ضد تخليه عن قيمه، ويخفف من شدة وطئة قبحها، والعناوين كثيرة ومصاديقه يمكن استقراءها من خلال متابعة عينة من العينات المستخدمة للاستعمار.

 

2ـ التعليم:

هذه الآلية يقع ضحيتها المجتمع بصورة عامة، فإن لكل بلد هناك منهج تعليمي من المفترض أن يحوي على الأسس الإنسانية العامة، والخصائص الاخلاقية والاجتماعية الموجودة فيه، مع اعطاء العقل حريته الفطرية المقننة.

فمفتاح المستعمر المنهج، فيدخل في المنهج ما يريده وما هو مخطط له، ولو بعد سنوات، فيظهر جيل جديد محمل بمناهج معرفية مغلوطة لا تمت للواقع بصلة، وتنظر للواقع من كوة واحدة تختلف باختلاف المستعمر وغاياته، ومن ثم ينشئ جيل يحمل هذه الأفكار ويدافع عنها.

فلو أراد المستعمر أن يأسس لجيل ينكر وجود الخالق، أولا يدس في مناهج البعض صورة مشوهة عن الدين الحق، ثم يخرج منه عصابات اجرامية باسم دين معين، وفي قبالها ينشيء اجيال تتخذ الدين ارثا فضرب هذا بذاك، ويقوم هو بدوره في مد كل من هذين المعسكرين بالسلاح وبالخطط، فيخرج جيل ثالث بشيء جديد وهو انكار الدين الذي حقيقته سفك الدماء، فهذا الجيل قائم على رفض المعسكر الأول والثاني واتخذ جانبا وسطيا يعتقد به وهو بعيد كل البعد عن الواقع.

فالمنهج التعليمي مهم جدا للوصول إلى التكامل من جميع الحيثيات. وبوجود الاستعمار الفكري لا يمكن تحقق هذا الهدف، إلا بالجهد والمثابرة وحفر أسس جديدة قائمة على مبادئ عقلية فطرية توصل إلى مناهج معرفية واقعية ثم الى رؤى كونية صحيحة تؤدي لثقافة مبنية على اسس متكاملة، ثم سلوك عملي يوصل إلى النجاة في الدنيا والآخرة.

فخلاصة القول:

هناك استعمار واحتلال فكري يهدف الى تغيير المنظومة الفكرية الى حسب ما يريد المستعمر للحصول على مصالحه كافة من دون تكبده عناء الحضور ولا إراقة أي قطرة دم من أبناء وطنه.

ويستخدم آليات متنوعة، قديمة وحديثة، اما القديمة فهي: أن يأتي بنفسه مع قواه العسكرية واسلحته المتطورة، أو انتخاب عملاء وتنظيمهم لهكذا عمل.

وأما الطرق الحديثة، فهي عن طريق استخدام الاعلام، او استخدام التعليم.

وأما اذا اردنا احصاء واستقراء الدول التي تستخدم هذه الطرق وفقا لمسح مونوكل والذي قام به عام 2014، نجد أن الولايات المتحدة احتلت المركز الأول، بعدها ألمانيا وتليها المملكة المتحدة واليابان وفرنسا وسويسرا وأستراليا والسويد والدنمارك وكندا.

هذا ما قد أوضحه نفس المستعمر، وما خفي كان أعظم.

والكلام يطول حول هذه المسألة وخطورتها ومصاديقها وغاياتها، ولكن الهدف والغاية هو التأمل في مثل هكذا أمور، ومحاولة الوصول إلى حقيقة الأمر.

 



займ на картукредит онлайн