التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 27 مايو, 2015
المشاهدات: 2٬345
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

الاستدلال العقلي البرهاني :تطبيق عملي

إن كل عملية تفكير بغرض تحصيل اليقين لا بد أن تبدأ من مبادئ تصورية أي مفاهيم معلومة المضامين والخصائص ومن مبادئ تصديقية أي قضايا معلومة الصدق وهذه المفاهيم والقضايا قد تكون معلومة بالعقل فقط وقد تكون معلومة بمعونة الحس الباطني وقد تكون بمعونة الحس الظاهري وقد تكون بمعونة التجربة وأي خلل في وضوح دلالة المفاهيم سيوجب خلالا في التفكير وسيوجب خلالا في التصديق بالمبادئ التصديقية لأن التصديق بالعلاقة بين معنيين يتوقف على فهم مدلول كل منهما وبقدر ما تعلمه من خصائص وأحوال المعاني بقدر ما يمكن العلم بنحو العلاقة التي تربطها لأن العلاقات بين المعاني تتبع خصوصيات أو أحوال المعاني.

وحتى لا أطيل سأذكر  مثالا يطبق ما تكلمت عنه ويكون محل اهتمام وذو أثر عملي فإن ذلك أيسر وضوحا وأكثر فائدة على أمل أن نتابع ذكر أمور أخرى فيما بعد بقدر ما يسمح الوقت ويناسب المقام.
سأتكلم حول مسالة اختيارية الفعل الإنساني والمطلوب هو (هل الفعل الإنساني اختياري أم ليس باختياري) فههنا مفهوم الفعل الإنساني ومفهوم الإختيار وحتى نعلم بالعلاقة بينهما سلبا أو إيجابا لا بد من البدء مما هو معلوم عندنا من خصائصهما ثم البحث عن ارتباط بين هذه الخصائص.
أما مفهوم الفعل الإنساني فإنه يراد به الفعل الذي لا يكون بقسر وجبر من غيرنا وإلا لما كان مجال للسؤال عنه أنه اختياري أو ليس باختياري لوضوح أن الموضوع قد تقيد بضد المحمول ويمتنع أن يجتمع الضدان في موضوع واحد من حيثية واحدة.
ولذلك فالمراد هو الفعل الذي يصدر عن إرادة وميل نفساني وهنا أشير أن علمنا بأننا نفعل عن إرادة وميل نفساني هو علم ناشئ من الحس الداخلي أي أن علمنا به على حد علمنا بأننا ندرك فهذه قضية بديهية مصدرها الحس الباطني.
وهذا الفعل الناشئ عن إرادة وميل نفساني نريد أن نبحث عن خصائصه أو أسبابه بحيث نرى كيف يحدث وهل نملك أن نغير فيه ونقدر على التصرف به أم أننا مقهورون بالعمل على شاكلة محددة وهذا هو المطلوب وهو يقودنا إلى ان ما نقصده من الإختيار هو القدرة على الفعل وعدم الفعل وعلى التغيير من فعل إلى فعل ومن حال إلى حال.
ومن هنا فعلينا أن نبحث ولنبدأ من الموضوع لنفتش هل في خصائصه أو أسبابه ما هو تحت قدرتنا ونملك القدرة على التغيير فيه أم لا فإن وجدنا شيئا داخلا في قوام الموضوع الخاص به وكان موصوفا بالمحمول فهذا يعني ان الموضوع سيكون موصوفا بالمحمول.
لذلك نبدأ في تفحص خصائص الموضوع وهو الفعل الإنساني وننظر كيف يتم ومصدر علمنا بذلك هو الحس الباطن البديهي الناشئ من علمنا بذواتنا ومن هنا نجد أننا نفعل بعد أن نريد ونريد بعد أن نشعر وننفعل بميل وهذا الانفعال والميل يكون بعد إدراك أن الفعل يناسبنا أي أن في الفعل كمالا ما لنا سواء كان هذا الكمال منفعة أو لذة أو دفع ضرر أو أي شيء من مصاديق الكمال ووضوح انتماء هذه الأمور إلى الكمال بشكل عام واضح بنفسه.
وعليه فإن مراحل الفعل الإنساني تبدأ من الإدراك لما يناسب ذواتنا ثم الميل والانفعال نحوه ثم الإرادة ثم الفعل وعليه علينا أن نبحث هل المحمول وهو (الاختيار والقدرة على التصرف والتغيير) موجود في إحدى هذه المراحل أم لا فإن كان غير موجود في اي منها فهذا يعني أن الفعل الإنسان ليس اختياريا وإن كان موجودا في أي منها فهذا يعني أنه اختياري.
وحتى لا أطيل سنجد وبنحو بديهي مصدره الحس الباطن أن ترتب الفعل على الإرادة قهري ما لم يحل مانع قاسر كما ان ترتب الإرادة على الميل والانفعال قهري ما لم يتنازع الميل والانفعال مع ميل وانفعال آخر وسنجد أن الميل والإنفعال يترتب بنحو قهري على الإدراك متى ما استقر الإدراك واستحوذ علينا ولم نشك أو تتزاحم المعارف التي لدينا وهذه الصورة لعملية الفعل الإرادي مقومة لكل فعل إرادي نقوم به وهذا امر نجده في نفوسنا ونعلمه كعلمنا بأننا نندرك ونطبقه بتلقائية.
ومن هنا بما أن مراحل الفعل تبدأ من الإدراك فإن تنازع الميول سينشأ عن تنازع الإدراك وبالتالي مع استقرار الإدراك لجهة ما واستحواذه علينا لن يكون هناك تنازع ميول وبالتالي فإن الترتب القهري في المراحل الثلاثة الأخيرة أي الميل والإرادة والفعل كله سيكون قهريا إلا أن يحول مانع قاسر عن الفعل وعليه ليس الاختيار موجودا في أي من هذه المراحل الثلاثة فيبقى أن نبحث هل هو موجود في الإدراك وهل لدينا القدرة والشأنية لتغيير الإدراك.
ومن الواضح أن غاية عملية الإدراك هي معرفة الواقع ولذلك إذا كان هناك تغيير في الإدراك فهو إنما يكون بداعي أنه هو الحقيقة وبما أن الإدراك الذي يكون أول مراحل الفعل هو إدراك أن فعلا ما مناسبا لنا فإن تغير الإدراك سيكون لأجل أننا أدركنا أنه ليس مناسبا أو أن إدراكنا الأول كان خاطئا أو ان هناك شيئا آخر أكثر مناسبة ونفعا وعليه فإن القدرة على تغيير الإدراك الذي يحصل لنا هو متوقف على وعينا بان الإدراك قد يخطئ وبالتالي نسعى إلى نيل الإدراك الصحيح وبالتالي نسأل هل نملك ان نغير في إدراكنا وهل نلتفت إلى إمكانية خطأ إدراكنا وإذا كنا لا نلتفت فعلا فهل يمكن أن نلتفت وإذا التفتنا فهل نملك تغييره وتبديله وإذا كان الجواب هو نعم فهذا يعني أن المرحلة الأولى من عملية الفعل اختيارية وبالتالي سيكون الفعل الإنساني اختياريا من حيث اختيارية منشئه وهو الإدراك وبقدر قدرتنا على تغيير الإدراك وجعله مستحوذا بقدر ما يكون لنا قدرة على تغيير الميول والإرادة ومن ثم الفعل وأما إذا لم يكن كذلك فلن يكون الفعل الإنساني اختياريا.
ولكن الجواب سنجده بالبداهة الناشئة عن الحس الباطن وهي اننا نملك أن نغير الإدراك وأن نعلم أنه قد يخطأ وأن نبحث عن الإدراك الصحيح لنعيّنه ونجعله هو الذي نشأ عنه الميول ومن لا يتلفت فعلا إلى خطأ أحكامه وإدراكاته فإنه قابل لأن يلتفت وبالتالي قابل لأن يتحكم في الإدراك وإن كانت قابلية أبعد من الذي هو ملتفت بالفعل إلى أن أحكامه قد تكون خاطئة.
والنتيجة أن علمنا بأن الفعل الإنساني متقوم بمراحل أربع وعلمنا بأن المرحلة الأولى منه هي الوحيدة التي نملك التغيير فيها وتبعا للتغير فيها يتغير ما يتبعها من مراحل يوجب أن نعلم بأن الفعل الإنساني اختياري بالقوة أي نملك قوة أن نكون مختارين بالفعل إذا ما ملكنا التحكم بادراكنا.
ولذلك يمكن تلخيص الأمر بالقول: (مبدأ الفعل الإنساني هوالإدراك ) (والإدراك مقدور لنا تغييره) فالنتيجة (مبدأ الفعل الإنساني مقدور لنا تغييره) ثم نجعل هذه النتيجة مقدمة ونضم إليها مقدمة أخرى وهي (كل مقدور لنا تغييره فهو اختياري) لينتج (مبدأ الفعل الإنساني اختياري) فنجعلها مقدمة بهذا النحو ( الفعل الإنساني فعل مبدؤه اختياري ) ونضم إليها مقدمة أخرى وهي (كل فعل مبدؤه إختياري فهو اختياري) فينتج (الفعل الإنساني اختياري ) وهذا هو الجواب على السؤال والمطلوب.
علما بأنني اغفلت الإشارة إلى دخالة قاعدة امتناع التناقض وقاعدة العلية أثناء البيان حتى لا يصير البحث طويلا جدا.
ويمكن أن أطبق هذه الطريقة على موارد كثيرة متى ما كانت معلومة لنا خصائصها واسبابها فيمكننا ان نسأل هل الفعل الاختياري غاية لنا لذاته أم ليس بغاية لذاته أو هل اللذة كمال مطلقا أم ليست كمالا مطلقا ويمكن ان نتساءل حول مسائل من الحكمة النظرية فنسال هل العالم موجود من تلقاء ذاته أم لا أو هل للعالم علة أم لا وهكذا.
وأحب ان أشير أن هذه الطريقة في البحث من خلال النظر بأن كان المحمول موجودا في شيء من خصائص وأسباب الموضوع هي طريقة من طرق عديدة تذكر في البحث البرهاني.


займ на картукредит онлайн