التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 6 سبتمبر, 2014
المشاهدات: 1٬686
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

لا ريب أنَّ الاجتهاد والتقليد ليسا منحصرين في الفقه أو الاعتقاد، وإنَّما ساريان في سائر العلوم والصناعات، والواقع العقلائي خير شاهد على ذلك.

وهذه القسمة الدائرة بين الاجتهاد والتقليد، تُعدّ قسمة عقليَّة أيضاً؛ لأنَّ العالم بأيِّ علمٍ أو صناعة إمَّا أن يكون عالماً بالذات وهو المجتهد، أو بالغير وهو المقلَّد، وأمّا الجاهل الزائغ فهو تارك طريقي الاجتهاد والتقليد.

والاجتهاد في العقائد هنا يعني: استفراغ الوسع في تحصيل الاعتقاد التفصيلي اليقيني الصادق المطلق والثابت عن طريق البرهان العقلي، وهم الحكماء ومن سار على طريقتهم من العلماء.

وأمَّا التقليد، فهو: تحصيل الاعتقاد التفصيلي اليقيني الصادق من الحكماء
ـ ثقةً بهم ـ بنحوٍ غير برهاني، كالبيان الخطابي التمثيلي مثلاً، وهم غير الحكماء من القاصرين عن تحصيل اليقين البرهاني بالاعتقاد.

والاجتهاد في العقائد واجب كفائي على كلِّ من لديه القدرة على السلوك البرهاني، هذا علاوةً على كونه كمالاً ذاتياً له.

ويفتقر الاجتهاد في تحصيله على دراسة سلسلة من العلوم العقليَّة الحقيقية التى تؤهِّل طالبها لتحصيل ملكة الاجتهاد:

فأوَّل ما يبتدأ به المتعلّم هو صناعة المنطق؛ لكي يتعرّف من خلاله على قواعد التفكير الصحيح التى تهذّب حركة الذهن في المعلومات، وتضمن له الانتقال الآمن والصحيح من المعلوم إلى المجهول. فيتعلّم كيف يتصور الأشياء كما هي عليه في الواقع ونفس الأمر، وكيف يُنشئ الدليل ويقيم البرهان على المطالب العلمية بنحوٍ صحيح، وكيف ينقض الدليل ويكتشف المغالطات المنطقية.

وبعد أن يتقن الطالب قواعد التفكير الصحيح، ولا سيَّما صناعة البرهان، ينتقل بعدها إلى علم الهندسة ليطبّق عليها هذه القواعد المنطقية، وهناك حكمة تعليمية وحكمة تربوية في دراسة الهندسة (1)، فالحكمة التعليمية هي في كون موضوع الهندسة وهو المقدار أمراً محسوساً في مصاديقه، ممّا يجعل التحقيق في مسائله أمراً سهلاً، فيكتسب المتعلّم فيه مهارة تطبيق القواعد المنطقية بنحوٍ يسير، ويكتسب الثقة في نفسه وفي صناعة المنطق بعيداً عن الصراعات والمجادلات العلمية.

وأمَّا الحكمة التربوية، فلأنَّ مسائل الهندسة ليست مسائل دينية أو مذهبية مقدَّسة، فلا دور لتأثير الارتكازات الذهنية المسبقة، ولا مدخلية للعواطف أو الميولات النفسية في تحقيق مسائله، فيبحث الطالب بنحوٍ موضوعي عن الأسباب الذاتية للأشياء وبنحوٍ علمي مجرَّد عن أيِّ تأثيرات خارجية أو ضغوط نفسانية، ممَّا يُكسب المتعلّم ملكة البحث العلمي الموضوعي.

وبعد الفراغ من علم الهندسة، يدرس الطالب علم الطبيعيات الباحث عن أحكام الجسم الطبيعي من حيث الحركة والسكون، وفيه أيضاً حكمة تعليمية وأخرى تربوية.

أمَّا الحكمة التعليمية، فموضوع العلوم الطبيعية هو الجسم المحسوس بظاهره والمعقول بباطنه، فيمثّل مرحلة انتقالية متوسطة بين الهندسة ذات الموضوع المحسوس مطلقاً، وبين الفلسفة الإلهية ذات الموضوع المعقول مطلقاً كما سيأتي، وهو ينسجم مع طبيعة التدرُّج التعليمي، والبناء الطبيعي لذهن المتعلّم.

أمَّا الحكمة التربوية من دراسة الطبيعيات، فهو كما قلنا في الهندسة، من أجل اكتساب ملكة البحث العلمي الموضوعي بعيداً عن الضغوط النفسانية والمذهبية لكون موضوعها أيضاً غير مقدّس.

هذا بالإضافة إلى أنَّ بعض المباحث الطبيعية حول الزمان والمكان والحركة تخالف بعض الاعتقادات العرفية الموجودة في ذهن المتعلّم، الأمر الذي يدعو المتعلّم للتخلي عنها عند مخالفتها للبحث العلمي، وبالتالي يصبح مستعداً بعد ذلك للتخلي عن اعتقاداته الدينية والمذهبية الخاطئة إذا خالفت البحث الفلسفي (2).

وبعد الانتهاء من البحث الطبيعي، يصبح الطالب مستعداً من الناحية الذهنية والنفسية للدخول إلى البحث الفلسفي الميتافيزيقي، والمسمَّى بعلم ما بعد الطبيعة، أي ما بعد علم الطبيعة، الذي يبحث عن الموجود المطلق بنحوٍ عقلي محض، فهو بحث عمّا وراء الطبيعة في عالم الغيب.

وينقسم البحث الفلسفي إلى قسمين: قسم يتعلّق بالبحث العقلي الكلي البرهاني المجرّد حول الأحكام العامة للموجودات من حيث موجوديتها، ويسمى بقسم الكليات أو الأمور العامة، والذي يُعتبر مدخلاً مهماً، ومقدّمة ضرورية للقسم الثاني المتعلّق بكليات الاعتقاد الديني، والمسمَّى بقسم الربوبيات.

وفي نهاية البحث الفلسفي، تكون قد تكونت لدى الطالب رؤية كونية واقعية شاملة عن الإنسان والعالم والمبدأ والمعاد.

فهذه هي العلوم الضرورية المُعِدَّة لتحصيل ملكة الاجتهاد في الاعتقادات، ومع المزيد من التأمّل والتدرّب والتمهّر في هذه العلوم، يصل الطالب إلى مرتبة الاجتهاد في العلوم العقلية، ويصبح صاحب نظر فيها، ويستغني عن غيره.

أمَّا المقلِّد غير القادر على هذا السلوك، فلا بدَّ أن يرجع ـ بحكم العقل والعرف العقلائي ـ فيما يحتاجه من العقائد الكلية التفصيلية، أو لدفع الشبهات الواردة عليه، إلى المجتهد رجوع الجاهل إلى العالم، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإلَّا لكان مقصّراً أو زائغاً.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) تحصيل السعادة، أبو نصر الفارابي: ص55.

(2) المصدر السابق: ص57.

 

* رئيس أكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн