التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 8 فبراير, 2014
المشاهدات: 1٬841
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوين المقال

سبب الحاجة إلى الإجتماع

وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج، في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال.

فلذلك لا يمكن أن يكون الانسان بحيث ينال الكمال، الذي لأجله جعلت الفطرة الطبيعية، إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه؛ فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال، ولهذا كثرت أشخاص الانسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الانسانية.

تنوع المجتمعات الإنسانية

فمنها الكاملة، ومنها غير الكاملة، والكاملة ثلاث: عظمى ووسطى وصغرى، فالعظمى، اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة؛ والوسطى، اجتماع أمة في جزء من المعمورة؛ والصغرى، اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.

وغير الكاملة: اجتماع أهل القرية، واجتماع أهل المحلة، ثم اجتماع في سكّة، ثم اجتماع في منزل، وأصغرها المنزل.

والمحلة والقرية هما جميعا لأهل المدينة؛ إلا أن القرية للمدينة على أنها خادمة للمدينة؛ والمحلة للمدينة على أنها جزؤها، والسكة جزء المحلة؛ والمنزل جزء السكة؛ والمدينة جزء مسكن أمة والأمة جزء جملة أهل المعمورة.

أي المجتمعات هو المؤهل لنيل الخير الأفضل والكمال الأقصى؟

فالخير الأفضل والكمال الأقصى انما ينال أولا بالمدينة، لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها، ولما كان شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار والارادة، وكذلك الشرور انما تكون بالإرادة والاختيار، فلذا أمكن أن تجعل المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات التي هي شرور.

السعادة الحقيقية والمدينة الفاضلة وتشبيه المدينة بالبدن

ثم إن كل مدينة يمكن أن ينال بها السعادة، فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة، هي المدينة الفاضلة، والاجتماع الذي به يتعاون على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل، والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة هي الأمة الفاضلة، وكذلك فإن المعمورة الفاضلة إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها تتعاون على بلوغ السعادة الحقيقية.

والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح، الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان، وعلى حفظها عليه:

فكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى، وفيها عضو واحد رئيس وهو القلب، وأعضاؤه تقرب مراتبها من ذلك الرئيس، وكل واحد منها جعلت فيه بالطبع قوة يفعل بها فعله، ابتغاء لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس، وأعضاء أخر فيها قوى تفعل أفعالها على حسب أغراض هذه التي ليس بينها وبين الرئيس واسطة فتكون هذه في الرتبة الثانية، وكذلك كانت أعضاء أخر تفعل الأفعال على حسب غرض هذه التي في هذه المرتبة الثانية، ثم هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم ولا ترؤس أصلا، فكذلك المدينة، أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات.

وبالجملة فإن في المدينة انسان هو رئيس، وأخر يقرب مراتبها من الرئيس، وفي كل واحد منها هيئة وملكة يفعل بها فعلا يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرئيس، وهؤلاء هم أولو المراتب الأُول.

ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض أولئك الذين في المراتب الأُول، وهؤلاء هم في الرتبة الثانية.

ودون هؤلاء أيضا من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، ثم هكذا تترتب أجزاء المدينة إلى أن تنتهي إلى آخرين يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم، فيكون هؤلاء هم الذين يَخدِمون ولا يُخدَمون، ويكونون في أدنى المراتب، ويكونون هم الأسفلين.

الفرق بين البدن والمدينة

غير أن أعضاء البدن طبيعية، والهيئات التي لها إنما هي قوى طبيعية، أما أجزاء المدينة، فإنهم وإن كانوا طبيعيين، فإن الهيئات والملكات التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية، بل ارادية، على أن أجزاء المدينة مفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بها إنسان إنسان، لشيء دون شي‏ء، غير أنهم ليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهم وحدها، بل بالملكات الارادية التي تحصل لها، وهي الصناعات وما شاكلها.

ثم إن القوى التي هي أعضاء البدن بالطبع، فان نظائرها في أجزاء المدينة ملكات وهيئات إرادية.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع


  1. محمد احميمد - الأربعاء, 29 أبريل 2015 في الساعة 11:41 م

    الإنسان كومة أفكار، إذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله.