التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 12 سبتمبر, 2015
المشاهدات: 2٬563
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

((الإغراء))

علاقة الرغبة والشهوة بالاختيار والاعتقاد

جميعنا نرغب بأشياء ونشتهي أمورا، ومتى ما لم ينازعنا شيء فيما نرغب أو نشتهي، فإننا ننساق وراء تحقيقه ونيله، ومن الطبيعي، بل الضروري، أن نقوم بكل ما يتوقف عليه تحقيق ذلك ونيله، فكثيرا ما نحتاج إلى تهيئة الظروف، والأجواء المناسبة، والقيام بسلوك طريق معين، واعتماد آلية مخصوصة، حتى نصل إلى ما نرغب به ونشتهيه.

كذلك ومن منطلق الرغبة والشهوة، إذا ما اطلعنا على آراء وأفكار وخطط ومشاريع تناسب رغباتنا وشهواتنا، فإننا نسارع إلى استحسانها واعتبارها صحيحة ومناسبة، فنؤيدها وربما ندعمها، ونحن في ذلك نكون قد ساوينا بين كون الشيء حقا، وبين كونه متناسبا مع ما نرغب ونشتهي، دون أن نحاول التأني والفصل بين أن يكون للشيء بعض الآثار الجيدة وبين كونه جيدا وصحيحا من كل الجهات وفي جميع آثاره، ولذلك فإن حسنها من جهة مناسبتها لرغباتنا وشهواتنا، يجعلنا نغفل عن فحصها في نفسها ومقاربتها بشكل موضوعي.

أمثلة على الانسياق المتسرع وبيان لمنشئه

إن انسياقنا وراء الرغبات والشهوات دون تدبر وتأمل لهو أمر يحصل معنا في كثير من المواطن، حيث قد نتسرع فنشتري سلعة ما لأنها تحقق رغبة ما، ثم نتفاجأ بأنها تضر وتؤذي من جهة أخرى، ونخاطب أنفسنا أننا لو التفتنا حينها لما أقدمنا على اقتنائها، وقد نسارع إلى القبول بصفقة أو عمل يدر ربحا وفيرا، ثم نتفاجأ فيما بعد أننا بصدد خسارة شيء آخر أهم أو تسبيب فساد من جهة أخرى، وهكذا فإن للأشياء أوجه وخصائص متعددة وحتى نحكم بصلاحيتها يفترض أن ندرسها من جوانبها المختلفة ونقايس بين آثارها ونرجح الجنبة الأهم، إلا أن ذلك ما تقف الرغبة الملحة والشهوة المفرطة، بيننا وبينه حائلا، فننجرف نحو تحصيل ما تدعوان إليه دون تدبر.

ولسنا نحتاج إلى تأمل؛ كي ندرك أنّ توافق الرغبات والشهوات، لهو أحد دواعي التكاتف والتعاضد، ولذلك فإنّ تشاركنا مع غيرنا فيها يكون نواة؛ لأن تتشكل على إثر ذلك جماعات وفرق، بل أن نقرر الانخراط في أحزاب وجمعيات؛ ليكون العمل المتآزر على تحقيق ما نرغب ونشتهي بنحو آكد وأنجع.

ولكن ذلك متى كان من منطلق الاندفاع المحض، فإنه يكون مدعاة لأن يكون طريقا للوقوع في صراع السلطة، والشهرة، دون أن نتنبه لمراعاة لوازمه وآثاره على علاقاتنا مع الآخرين، وعلاقة فئات المجتمع فيما بينها، فتتحول إلى نفعية أنانية: شخصية أو جماعية، فنختار بذلك أسلوب تحقيق شهواتنا على حساب إنسانيتنا.

كيفية توظيف الرغبات في إغراءنا وتحفيزنا

طالما ان للرغبات والشهوات هذا التأثير القوي على أفكارنا واختياراتنا؛ فإن هذا يجعل منا مادة دسمة لكي يتم إغراؤنا وتحفيزنا وترغيبنا بالقيام بعمل معين، أو تبني موقف محدد، أو التعاطف والتأييد، بل الانخراط في صراعات حزبية وسياسية، وارتكاب جرائم بحق البشرية، ونحن في خضم ذلك نبرر لأنفسنا بأننا سنحصل على ما وعدنا به ودفعنا إلى الخوض فيما خضنا فيه من مال أو شهرة أو لذائذ متنوعة.

وبسبب ذلك كله، فلقد كان من السهل جدا، واليسير، على أصحاب المصالح والمشاريع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أن يعمدوا إلى ترويج الأفكار والمواقف والخيارات التي تحقق غاياتهم، وذلك من خلال ربطها بمغريات تحمل من يستثار بها على الاتباع والانتماء، فتتشكل الجماعات والأحزاب والتيارات الفكرية والعملية، ويكون ذلك سبيلا للتحكم بهم، وتسييرهم إلى حيث يريد المروجون.

ومن هنا، فقد أصبح واضحا، أنّ وجدان الناس للرغبات والشهوات وميلهم نحوها؛ قد جعل منهم موردا للإغراء، وذلك بالانحياز تجاه مواقف وخيارات ترتبط بتلبية ما ينزعون نحوه بالرغبة والشهوة، بحيث يصبح منشأ تكتلهم واجتماعهم تحت خيمة الانتماء إلى مشاريع ورؤى معينة، هو توافق نزوعهم إلى ما يترتب على تطبيقها وإرسائها، بحيث تعكس شدة العلقة بمرغوباتهم وشهواتهم شدة التضامن والتكاتف في تبني ما يخدمها ويحققها.

أسباب حدة تأثير الشهوات والرغبات

وإذا ما تأملنا السبب وراء هذا التسرع في الانسياق فسنجد أن كلّاً من عاملي الرغبة والشهوة من حيث ذاتهما ليس من شأنهما التمييز والفحص لوجوه وآثار ما تعلقتا به، بل إنما تتعلقان بما تتعلقان به، فقط من تلك الجهة التي جعلته مشتهى ومرغوبا، وبالتالي، فإنهما لا تريان إلا تلك الجهة، ولا تحفزان إلا إلى تحصيلها ونيلها، وبالتالي فإن تبني الناس وانحيازهم اتجاه المشاريع والأفكار والخطط المتناسبة مع رغباتهم وشهواتهم، سيكون تبنيا وتأييدا وانحيازا انفعاليا ساذجا يقودهم إليه ويحملهم عليه ممارسة الإغراء والترغيب والتحفيز لنيل ما يصبو كل فرد منهم إليه من خلال التأييد والاتباع.

ومن هنا فإن فقدان القدرة على التروي والتمييز والفحص يجعل نفوسنا هشة سهلة الاستثارة والتحميس، فنحملها على الدخول فيما يجر علينا وعلى مجتمعاتنا المفاسد، والمحن، والصراعات الطاحنة، والدمار، في سبيل نيل رغبات، ومشتهيات، وتحقيق طموحات شخصية، على حساب الآخرين، حتى لو كان الآخر شعبا بكامله وأمة بأسرها.

وليت الأمر يقتصر على نيل ما يصبوا المرء إليه، بل كثيرا ما يتم خداعنا، حيث لا نحصل على ما ابتغيناه، وما تم وعدنا به، ومع ذلك نقع ضحية الآثار السلبية الأخرى.

أمثلة على أساليب الإغراء من التاريخ والحاضر

ولعلنا إذا ما ألقينا نظرة على التاريخ؛ لنستطلع أساليب الإغراء التي مورست، فسنجد أنه كثيرا ما تم حشد الأنصار في الحروب، والغزوات، وعمليات القرصنة، وقطع الطرق، واستعباد الشعوب، وتسخيرها، من خلال الإغراء بنيل الغنائم، والإماء، والعبيد، وزيادة الثروة، والحصول على مناصب سياسية واجتماعية واقتصادية.

وبالنسبة إلى عالمنا المعاصر، فإن لوسيلة الإغراء ميزة خاصة، وذلك نظرا لما وصل إليه حالنا من التطور في تقنية الإعلام، ونشر الأفكار، ونظرا لاتساع المعرفة في أساليب التأثير على النفوس، والإقناع، والتحفيز، واستثارة الشهوات، خصوصا من خلال الدعاية المرئية، وفن التمثيل، بحيث لم يعد ترسيخ الأفكار، أو تغييرها، وصناعة الرأي العام، والتكتل الجماهيري، محتاجا إلى مؤونة كبيرة، بل أصبح الباب مشرعا على مصراعيه، ومسرحا لكل هاو، والحلَّ الأسهل، والأوسع تأثيرا، من خلال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب.

فما أسهل ترسيخ الأفكار، وتحفيز النفوس، حينما تربط بالمشتهيات، والمرغوبات، والوعود المرصعة، والعروض المزينة، والمطعمة بما يفتح شهية كل مشته، ورغبة كل راغب، فتنساق الجموع صوب المقصود، دون أن يتيسر لها الوقت للتفكير والتمييز.

ولعل الرغبة في الشهرة، أو المال، أو اللهو، والمتعة، والمناصب السياسية، والإدارية، والاجتماعية، إحدى أبرز الأمور التي يسلط الضوء عليها في عالمنا المعاصر، ويربط نيلها بتأييد مشاريع ورؤى اقتصادية وسياسية واجتماعي.

ولذلك إذا ما أردنا أن نغير من أسلوب حياتنا فعلينا أن نغير من طريقة استجابتنا لما يعرض علينا وليس ذلك إلا بان نملِّك العقل فينا إدارة انفعالاتنا، وغربلة ما يتم ترويجه لنا، وبذلك نكون أحرارا.

خاتمة

وبالجملة وبعد كل ما تقدم يتبين أن وجدان الشهوات والرغبات أمر تكويني كما أن تلبيتها في الجملة حاجة ضرورية والكلام لا يقع في أصل التلبية والعمل على تحصيلها بقدر ما يقع في الأسلوب والمقدمات التي تعتمد للوصول إليها وإذا ما تأملنا منشأ سرعة الانسياق وراء ما يعد بتحصيلها فسنجد أن إلحاحها وشدة الرغبة بها توجب انحصار الرؤية والتوجه إليها فلا يعود المنساق متأملا ومتدبرا في ماهية الطريق المعتمد وآثاره الجانبية والنقص والفساد الذي يؤدي إليه.

وعليه فإن سيطرة الاندفاع تحجب الرؤية المتأنية والمتدبرة وتعدم منشئها وهو الروية العقلية والتي يكون محلها في الفكر وقبل مرحلة الاندفاع والانسياق التلقائي ونتيجة لذلك لا نبنى اختيارنا على المعرفة الصحيحة والتعقل مما يؤدي إلى أن تتعدد التكتلات والجماعات بتعدد الأهواء والأساليب المتبعة في متابعتها وهو ما سيؤدي إلى تعارضها وتنافرها طالما أن اختيارات أفراد كل فرقة وجماعة لم يراعَ فيها إلا العائد الشخصي والأناني المبتني على تفضيل الذات وترجيح كمالاتها على ما عداها وهذا بدوره ينبت التنافس والتناحر كما هو مشاهد ومعاين في الحياة اليومية.

ولذلك إذا أردنا أن نكون أحرارا فلا تؤثر فينا وسائل الإغراء فعلينا أن نعلم أنفسنا الروية العقلية وندرب أنفسنا على تطبيقها وبدون ذلك فقد نظن بأنفسنا أننا أحرار ولكن الحقيقة ستكون خلاف ذلك.


  1. mohamad kassab - الثلاثاء, 3 نوفمبر 2015 في الساعة 8:59 ص

    رائع الشرح والربط بين الشرح وتنمية العقل والتلاعب بالعقول واستخدامها في سبيل السيطرة