التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 8 يونيو, 2015
المشاهدات: 1٬403
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

إن الإرادة إنما هي أولا شوق عن إحساس، والشوق يكون بالجزء النزوعي والإحساس بالجزء الحاس، ثم أن يحصل بعد ذلك الجزء المتخيل من النفس والشوق التابع له فتحصل إرادة ثانية بعد الأولى. فإن هذه الإرادة هي شوق عن تخيل. فمن بعد أن يحصل هذان يمكن أن تحصل المعارف الأول التي تحصل من العقل الفعال في الجزء الناطق. فيحدث حينئذ في الإنسان نوع من الإرادة ثالث وهو الشوق عن نطق، وهذا هو المخصوص باسم الاختيار، وهذا هو الذي يكون في الإنسان خاصة دون سائر الحيوان، وبهذا يقدر الإنسان أن يفعل المحمود والمذموم والجميل والقبيح، ولأجل هذا يكون الثواب والعقاب، وأما الإرادتان الأوليان فإنهما قد يكونان في الحيوان غير الناطق.

فإذا حصلت هذه في الإنسان قدر بها أن يسعى نحو السعادة، وألا يسعى، وبها يقدر أن يفعل الخير وأن يفعل الشر والجميل والقبيح.

الخير الإرادي والشر الإرادي

وأما الخير الإرادي والشر الإرادي وهما الجميل والقبيح فإنهما يحدثان عن الإنسان خاصة، فالخير الإرادي إنما يحدث بوجه واحد وذلك أن قوى النفس الإنسانية خمس: الناطقة النظرية والناطقة العملية والنزوعية والمتخيلة والحساسة، والسعادة التي إنما يعقلها الإنسان ويشعر بها هي بالقوة الناطقة النظرية لا بشيء آخر من سائر القوى، وذلك إذا استعمل المبادئ والمعارف الأول التي أعطاه إياها العقل الفعال، فإذا عرفها ثم اشتاق لها بالقوة النزوعية وروّى فيما ينبغي أن يعمل حتى ينالها بالناطقة العملية وفعل تلك التي استنبطها بالروية من الأفعال بآلات القوة النزوعية وكانت المتخيلة والحساسة اللتان فيه مساعدتين ومنقادتين للناطقة ومعينتين لها في إنهاض الإنسان نحو الأفعال التي ينال بها السعادة كان الذي يحدث حينئذ عن الإنسان خيرا كله، وبهذا الوجه وحده يحدث الخير الإرادي.

وأما الشر الإرادي فإنه يحدث بالذي أقوله وهو أنّ المتخيلة والحساسة ليس واحدة منهما تشعر بالسعادة، ولا الناطقة أيضا تشعر بالسعادة في كل حال بل إنما تشعر الناطقة بالسعادة إذا سعت نحو إدراكها. وهاهنا أشياء كثيرة مما يمكن أن يخيل للإنسان أنه هو الذي‏ ينبغي أن يكون هو الوكد والغاية في الحياة مثل اللذيذ والنافع ومثل الكرامة وأشباه ذلك، ومتى توانى الإنسان في تكميل الجزء الناطق النظري فلم يشعر بالسعادة فينزع نحوها ونصب الغاية التي يقصدها في حياته شيئا آخر سوى السعادة من نافع أو لذيذ أو غلبة أو كرامة واشتاقها بالنزوعية وروّي في استنباط ما ينال به تلك الغاية بالناطقة العملية وفعل تلك الأشياء التي استنبطها بآلات القوة النزوعية وساعدته المتخيلة والحساسة على ذلك كان الذي يحدث حينئذ شرا كله.

وكذلك إذا كان الإنسان قد أدرك السعادة وعرفها إلا أنه لم يجعلها وكده وغايته ولم يتشوقها أو تشوقها تشوقا ضعيفا وجعل غايته التي يتشوقها في حياته شيئا آخر سوى السعادة واستعمل سائر قواه في أن ينال بها تلك الغاية كان الذي يحدث عنه شرا كله.