التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 21 يونيو, 2015
المشاهدات: 2٬153
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: مع بعض الاضافات

أما السبيل إلى أن تصير لنا الأخلاق الجميلة ملكة، فهذا ما نبحث عنه هنا، فنقول:

إنّ الأخلاق كلّها؛ الجميل منها والقبيح؛ هي مكتسبة ويمكن لإنسان متى لم يكن له خلق حاصل؛ أن يحصل لنفسه خلقا، ومتى صادف أيضا نفسه في شي‏ء ما على خلق؛ إمّا جميل أو قبيح، أن ينتقل بإرادته إلى ضدّ ذلك‏ الخلق.

والذي به يكتسب الإنسان الخلق أو ينقل نفسه عن خلق صادفها عليه إلى آخر؛ هو الاعتياد، وليس الاعتياد إلا تكرير فعل الشيء الواحد مرارا كثيرة، زمانا طويلا في أوقات متقاربة.

وبما أنّ الخلق الجميل كما القبيح، يحصل لنا عن الاعتياد، فينبغي أن نقول في الأشياء التي إذا اعتدناها حصل لنا بها خلق جميل، وفي الأشياء التي إذا اعتدناها حصل لنا بها خلق قبيح.

فأقول إنّ الأشياء التي إذا اعتدناها اكتسبنا الخلق الجميل؛ هي الأفعال التي شأنها أن تكون في أصحاب الأخلاق الجميلة. والتي تكسبنا الخلق القبيح هي الأفعال التي تكون عن أصحاب الأخلاق القبيحة.

أي إن اكتساب الخلق الجميل إنما يكون باعتياد الأفعال الخاصة به والتي تكون عنه بالذات، ويقوم بها من حصل لهم ذلك الخلق بيسر وسلاسة، فمن خلال تعويد النفس على الأفعال المناسبة لذلك الخلق يصير لنا بعد طول الممارسة عين ذلك الخلق فيصير صدور تلك الأفعال سهلا بعد أن كان بكلفة لأننا لم نكن حاصلين على خلقها المناسب لها وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخلق القبيح.

وهذا الأمر مشترك بين الأخلاق والأمور الصناعية والمهارات المتنوعة، فإنّ الحذق بالكتابة مثلا، إنّما يحصل متى اعتاد الإنسان فعل من هو كاتب حاذق، وكذلك سائر الصناعات والمهارات، فإنّ جودة فعل الكتابة إنّما تصدر عن الإنسان بالحذق في الكتابة؛ والحذق في الكتابة إنّما يحصل متى تقدّم الإنسان واعتاد جودة فعل الكتابة، وجودة فعل الكتابة ممكنة للإنسان قبل حصول الحذق في الكتابة بالقوّة التي فطر عليها، وأمّا بعد حصول الحذق فيها فتكون الملكة حاصلة بالصناعة ومكتسبة.

كذلك الحال في الفعل الجميل فإنه أمر ممكن للإنسان، أمّا قبل حصول الخلق الجميل فيكون بالقوّة التي فطر عليها، وإمّا بعد حصولها فيكون بالفعل، فهذه الأفعال التي تكون بالذات عن ملكات الأخلاق متى اعتادها الإنسان وحصلت منه هي قبل حصول الملكة؛ أدت إلى أن تحصل له ملكات الأخلاق.

والدليل على أنّ الأخلاق إنّما تحصل عن العادة؛ ما نراه يحدث في المدن والمنازل، فإنّ أصحاب السياسات من حكام وآباء إنّما يجعلون أهل المدن أو الأطفال أخيارا بما يعودونهم من أفعال الخير، وكذلك العكس.

وأمّا أيّ الأفعال هي الأفعال الخاصة بالملكات الأخلاقية الجميلة، والتي باعتيادنا لها يحصل لنا الخلق الجميل؛ فهذا ما سنصفه في القول التالي، فنقول:

إنّ كمال الإنسان في خلقه هو كمال الخلق، والحال في الأفعال التي بها يحصل كمال الإنسان في‏ خلقه‏ كالحال في التي بها يحصل كمال الإنسان في بدنه، وكمال الإنسان في بدنه هو الصحة، فكما أنّ الصحة متى كانت حاصلة فينبغي أن تحفظ؛ ومتى لم تكن فينبغي أن تكتسب، وكما أنّ الأمور التي بها تحصل الصحة؛ إنّما تحصل بها متى كانت بحال توسط؛ فإنّ الطعام متى كان متوسطا حصلت به الصحة، كما أن التعب متى كان متوسطا حصلت به القوّة، كذلك الأفعال متى كانت متوسطة حصل الخلق الجميل، وكما أنه متى زال ما شأنه أن تحصل به الصحة لم تكن الصحة حاصلة، فكذلك متى زالت الأفعال عن الاعتدال والتوسط واعتيدت على هذه الشاكلة، لم يكن عنها خلق جميل.

وأما كيفية زوال الأفعال الخلقية عن الاعتدال المتوسط فهو إمّا إلى الزيادة على ما ينبغي، أو إلى النقصان عمّا ينبغي، فكما أن الطعام متى كان زائدا على ما ينبغي أو ناقصا عمّا ينبغي لم تحصل به الصحة، وكذا التعب متى كان متوسطا أفاد الأبدان القوّة، ومتى كان أزيد ممّا ينبغي؛ أو ناقصا عمّا ينبغي أزال القوّة؛ أو حفظ الضعف، فكذلك الأفعال متى كانت زائلة عن التوسط، إمّا أزيد مما ينبغي؛ أو أنقص مما ينبغي، أكسبت الأخلاق القبيحة، أو حفظتها وأزالت الأخلاق الجميلة.

وكما أنّ التوسط والزيادة والنقصان فيما يكسب الصحة إنما يكون في كثرته وقلّته، وشدّته وضعفه، وطول زمانه وقصره، فكذلك الحال في اعتدال في الأفعال وكونها على ما ينبغي أو في نقصانها وزيادتها عما ينبغي، إنما يكون في كثرتها وقلّتها، وشدّتها وضعفها، وطول زمانها وقصره.

ولما كان التوسّط في كلّ شي‏ء إنّما يكون متى كانت كثرته وقلّته، وشدّته وضعفه؛ على مقدار ما، وبما أن حصول كلّ شي‏ء على مقدار ما؛ إنّما يكون متى قدّر بعيار، فإذن يجب أن نتعرف على العيار الذي به نقدّر الأفعال فتحصل معتدلة.

إنّ المعيار الذي به نقدّر الأفعال إنما هو على مثال العيار الذي به نقدّر ما يفيد الصحة؛ وذلك لأن الصحة تتحقق بحصول كمالات للبدن قابلة للزيادة والنقصان والكثرة والقلة والشدة والضعف في البدن كما هو الحال في الأفعال الخلقية فإنها تكون جميلة بحصول كمالات تقبل هذه المراتب القابلة للتقدير.

وعليه فكما أن عيار ما يفيد الصحة هو أحوال البدن الفعلية والقابل لها، وكما أنّ التوسّط فيما يفيد الصحة إنّما يمكن أن يوقف عليه متى قيس بالأبدان وقدّر بأحوال الأبدان، أي معرفة خصوصياتها ومعرفة آثار الأفعال الخاصة بها عليها من حيث تأثيرها بكمال البدن ونقصه، فكذلك الأمر في عيار الأفعال‏ الخلقية حيث يكون بالنظر إلى الأحوال المطبّقة بالأفعال وآثارها من حيث الكمال والنقص زيادة ونقصا وكثرة وقلة وشدة وضعفا، أي إنما يمكن أن يوقف على المتوسط في الأفعال الخلقية متى قيست وقدّرت بالأحوال المطبّقة بها.

وتفصيل ذلك أنه كما أنّ الطبيب، متى رام الوقوف على المقدار الذي هو اعتدال فيما يفيد الصحة، تقدّم فعرف مزاج البدن الذي يقصد بالصحة، وفي عرف زمان العلاج، وحال الأعضاء وتأثير الدواء ونحو انفعال البدن به بحسب خصوصياته وسائر الأشياء التي تحدّد في صناعة الطب وتبين مقدار ما يفيد الصحة، على مقدار ما يحتمل مزاج البدن ويلائم زمان العلاج، فكذلك الحال متى أردنا الوقوف على المقدار الذي هو توسّط في الأفعال الخلقية، تقدمنا فعرفنا زمان الفعل والمكان الذي فيه الفعل، ومن منه الفعل، ومن إليه الفعل، وما منه الفعل، وما به الفعل، وما من أجله وله الفعل، وجعلنا الفعل على مقدار كلّ واحد من هذه. فحينئذ نكون قد أصبنا الفعل المتوسط، ومتى كان الفعل‏ مقدّرا بهذه أجمع؛ كان متوسطا، ومتى لم يقدّر بها أجمع كان الفعل أزيد أو أنقص.

ولمّا كانت مقادير هذه الأشياء ليست دائما واحدة بأعيانها في الكثرة والقلّة؛ لزم أن تكون‏ الأفعال المتوسطة ليست مقاديرها مقادير واحدة بأعيانها دائما.

وسنذكر الآن على سبيل التمثيل، ما هو مشهور أنّه جميل من الأخلاق، ونذكر متوسطات الأفعال الكائنة عنها والمحصّلة لها ليتطرق الذهن إلى مطابقة ما أجمل هاهنا على أصناف الأخلاق والأفعال الصادرة عنها؛ فنقول:

إنّ الشجاعة خلق جميل؛ وتحصل بتوسط في الإقدام على الأشياء المفزعة والإحجام عنها، والزيادة في الإقدام عليها تكسب التهور، والنقصان في الإقدام يكسب الجبن، وهو خلق قبيح ويتحقق التوسط بمراعاة داعي الإقدام وأثره والمقدار المحصل لذلك الأثر والأدوات المعتمدة فيه والأسلوب المستخدم وأثر كل ذلك على الكمالات الأخرى المتأثرة به ومنشأ الفزع ومدى واقعيته والموازنة بين أثر الإقدام وأثر الإحجام من حيث الكمال والنقص المترتب.

والسخاء يحدث بتوسط في حفظ المال وإنفاقه، والزيادة في الحفظ، والنقصان في الإنفاق، يكسب التقتير، وهو قبيح، والزيادة في الإنفاق والنقصان في الحفظ يكسب التبذير، وحتى يحصل التوسط والاعتدال فلا بد من النظر في طبيعة ما يتم بذله وفي شأن الباذل وشأن المبذول له خصوصية الزمان والمكان والأسلوب الذي تم به وغاية البذل وقدار المبذول فكل هذه الأمور يجب مراعاتها حتى يكون الفعل متوسطا بأن يكون محصلا للكمال المتوخى منه دون نقصان عن الحد المحتاج إليه ودون زيادة مؤدية إلى فوات كمالات أخرى من جهات أخرى.

والعفّة تحدث بتوسط في مباشرة التماس اللّذة التي هي عن طعم أو نكاح، والزيادة في هذه اللّذة تكسب الشره، والنقصان فيها يكسب عدم الحسّ اللّذة؛ وهو مذموم، ومتى حصلت هذه الأخلاق صدرت عنها هذه الأفعال، وهذا التوسط يتوقف على معرفة زمان استيفائه ومكانه وطريقته وأدواته والغاية المتوخاة منه والأثر المترتب عليه وعلى عدمه والمقدار المستوفى منه ومقدار الحاجة إليه فكل ذلك إذا ما روعي وحفظ كمال كل حال منه كان التماس اللذة متوسطا بين الإفراط الذي يفوت كمالات أخر وبين التفريط الذي يفوت كمال اللذة الملتمسة نفسها.

والظّرف وهي خلق جميل، يحدث بتوسط في استعمال الهزل، فإنّ الإنسان مضطر في حياته إلى الراحة؛ والراحة إنّما هي أبدا إلى ما الإفراط فيه ملذّ أو غير مؤذ، والهزل هو ممّا الاستكثار منه ملذّ أو غير مؤذ؛ والتوسّط فيه يكسب الظّرف، والزيادة فيه تكسب المجون، والنقصان فيه يكسب الفدامة، فالهزل هو فيما يقوله الإنسان وفيما يفعله وفيما يستعمله، والمتوسّط منه هو ما يليق بالرجل الحرّ الطلق الوادع أن يقوله ويسمعه في الزمان المناسب والمكان المناسب ومن يناسب أن يصدر عنه مع من يناسب أن يصدر له بالأسلوب المناسب ولأجل الغاية المناسبة والمناسبة تتحقق بمراعاة الكمال والنقص الحاصلين في كل ذلك

وصدق الإنسان عن نفسه إنّما يحدث متى اعتاد الإنسان أن يصف نفسه بالخيرات التي هي له من حيث ينبغي في الوقت المناسب وأمام الشخص المناسب بالأسلوب المناسب. ومتى اعتاد الإنسان أن يصف نفسه بالخيرات التي ليست له أكسبته التصنّع والمخرقة والمراءة. ومتى اعتاد أن يصف نفسه حيث اتفق؛ بدون ما هو فيه؛ أكسبه ذلك التجاسر ومتى اعتاد أن يصف نفسه بما هو فيه باستعظام واستعلاء كان متكبرا وهكذا.

والتودّد، خلق جميل، يحدث‏ بتوسط في لقاء الإنسان غيره؛ ممّا يلتذّ به من قول أو فعل، والزيادة فيه تكسب الملق، والنقصان فيه يكسب الحصر. وإذا كان مع ذلك يلقى غيره بما يغمّه أكسبه سوء العشرة ولذلك يتحقق التوسط بمراعاة طبيعة الأسلوب في الملاقاة ومراعاة حال الشخص الملاقى، ومكان وزمان الملاقاة، وطبيعة العلاقة معه ونسبة كل ذلك إلى الغاية المتوخاة.