أهمِّية البحث المعرفي | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 1 يونيو, 2015
المشاهدات: 2٬290
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات: مقالة من مجلَّة المعرفة العقليِّة العدد الأول

تمهيد

إنَّ الإنسان موجود مختار، بمعنى أنَّه إذا شاء فعل وإذا شاء ترك، فيمتنع أن يصدر عنه أيُّ فعلٍ من حيث هو فاعل إلَّا بإرادته ومشيئته، حتى في مواضع الإكراه والاضطرار، حيث يختار الإنسان الفعل الأقل ضرراً له، وإن كان يسمّى عرفاً بالفاعل المجبور أو المقسور.

وأمَّا ما يسمّى بالفاعل المجبور أو المقسور فلسفيّاً، فهو ممتنع من الناحية العقليِّة؛ حيث لا يكون هذا الإنسان في الواقع فاعلاً لفعله، بل محلّ للفعل بإرادة غيره.

فالإنسان تكويناً فاعل بالإرادة، ومحال ألَّا يكون كذلك، وهو مقتضى الحكمة الإلهيّة في النظام الأصلح للعالم، وهو أن يكون الإنسان مستكملاً بأفعاله الاختياريّة أوّلاً، وأن يكون مسؤولاً عن أفعاله ثانياً أمام الباري تعالى وأمام المجتمع الذي يعيش فيه، فالإنسان ينطلق في أفعاله الاختيارية من مبادئ علميّة عمليّة جزئيّة تتعلّق لما ينبغي فعله وما ينبغي تركه.

والمدرك لهذا القضايا العمليّة الجزئيّة بحسب نظر الحكماء هو العقل العملي، حيث يُعدّ هو المحرِّك الأوّل والقريب والمدبِّر الرئيسي للأفعال الاختياريّة عند الإنسان([1]).

واعتقاد العقل العملي بما ينبغي فعله أو ما ينبغي تركه، إنَّما ينبع من اعتقاده بحسن هذا الفعل أو قبحه، ومعنى الحسن عند الحكماء هو الكمال الموجب للسعادة المطلوبة بذاته للإنسان من حيث هو كائن حي ذو شعور.

فالإنسان إذا أدرك حسن فعلٍ ما اشتاق إليه تكوينياً، وإذا اشتد الشوق تحوّل إلى إرادة جامعة للعزم ودافعة للقوى المحرِّكة في أعضاء الإنسان؛ ليتحرَّك نحو تحصيل الكمال المطلوب الموجب للسعادة.

فالرابطة بين اعتقاد الحسن وانبغاء الفعل رابطة ذاتية تكوينيّة وليست أمراً اعتبارياً، فالاعتقاد الذاتي للإنسان بحسن الفعل له يقتضي بذاته صدور الفعل عنه، بتوسط الشوق والإرادة، ما لم يكن هناك مانع خارجي يمنع من صدور الفعل، أو مانع داخلي بوجود اعتقاد آخر بحسن فعل معارض له، والمرجِّح لأحد الفعلين حينئذٍ هو وجود الملكات الأخلاقيّة المختلفة، والتي هي في الواقع هيئات نفسانيّة راسخة في نفس الإنسان، حيث ترجِّح الفضائل الخلقيّة والكمالات الحقيقيّة كفّة العقل العملي تجاه التكامل المعنوي، وترجِّح الرذائل الخلقيّة كفّة القوى الشهويّة والغضبيّة الحيوانيّة تجاه التسافل المادّي والكمالات الوهميّة.

البحث الفلسفي النظري

ونحن هنا لا نخوض في المباحث الأخلاقيّة العمليّة، بل نوجّه دفة البحث صوب البحث الفلسفي النظري، فنقول: إنَّ الاعتقادات العمليّة الجزئيّة المتعلّقة بما ينبغي فعله أو تركه، التي هي المبدأ الأوّل والقريب للأفعال الاختياريّة، والتي تعيّن مسير الإنسان في هذا العالم، إنَّما تكون منتزعة من مجموعة الاعتقادات العمليّة الكليّة بحسن أفعال وقبح أخرى، وهي التي تشكّل ما يسمّى بالآيديولوجيّة أو الاعتقاد القيمي العملي عند الإنسان.

وهذا الحسن كما بيّنا حقيقيته هو: الكمال المطلوب في نظر الإنسان لتحصيل السعادة المنشودة، وهذه الكمالات هي أمور وجوديّة محصّلة ومعلومة لدى الإنسان؛ لأنَّ المعدوم أو المجهول لا يُطلب ولا يُقصد.

وهذه الكمالات الوجوديّة المقصودة تارةً تكون مادّية، كالمال والبنون والنساء والجاه وغيرها من الكمالات الموجبة للذّة والسعادة الحسِّية أو الخياليّة أو الوهميّة، وتارةً تكون معنويّة، كالعلم والفضيلة والعبادة، والقرب الالهي وغيرها من الكمالات الموجبة للبهجة المعنويّة والسعادة العقليِّة.

ومن البديهي أنَّ تشخيص الكمالات الوجوديّة المطلوبة للإنسان، إنَّما تتوقف على نظرته الكليّة للحياة، ولهذا العالم، وما يحيط به من موجودات، وإلى مبدأ العالم ومنتهاه، وحقيقة الإنسان ومصيره الأبدي.

وهذه النظرة الكليّة الفلسفيّة للوجود، التي تتعلّق بما هو كائن بالفعل تسمّى بالرؤية الكونيّة أو أصول الفكر والاعتقاد.

وممَّا تقدَّم يتبّين لنا مدى وثاقة الارتباط الذاتي بين الرؤية الكونيّة الفلسفيّة النظريّة، وبين الآيديولوجيّة العمليّة للإنسان، والتي تنعكس مباشرةً على سلوكه الاختياري كما بيّنا.

ويتبّين مدى أهمّية تلك الرؤية الفلسفيّة للحياة والعالم عند الإنسان، ومدى تأثيرها الكبير على تعيين مصيره في هذه الحياة وما بعدها.

فالإنسان الذي يعتقد ويؤمن بوجود مبدأ إلهي لهذا العالم يرجع إليه بعد رحيله ـ أي رؤية فلسفية إلهية ـ سيكون لديه بالضرورة آيديولوجيّة دينيّة تنعكس على سلوكه الفردي والاجتماعي، وعلى العكس من ذلك إن لم يكن لدى الإنسان الاعتقاد بمبدأ ومعاد إلهي، بل بمبدأ ومعاد مادّي ـ أي من التراب وإلى التراب ـ فسوف تتولّد لديه آيديولوجيّة مادّية تنعكس أيضاً على سلوكه في الحياة.

ومن هنا ينبعث السؤال المصيري الهام في عقل الإنسان، حول كيفية تشكّل هذه الرؤية الفلسفيّة لديه، حيث ينفتح الباب على مصراعيه للبحث حول مصادر المعرفة وأدواتها، التي يعتمد عليها الإنسان في تكوين رؤيته الفلسفيّة الكليّة عن الحياة والعالم.

فالبحث المعرفي موضوعه هو المناهج، أو الطرق المعرفيّة المختلفة والمتاحة لنا، التي يعتمد عليها الإنسان في البحث عن الواقع وبناء الرؤية الكونيّة والآيديولوجيّة، التي ترسم له طريقه في الحياة في هذه النشأة الطبيعيّة.

والبحث عن هذه المناهج المعرفيّة، إنَّما يكون من ثلاث جهات:

الأولى: حجّيتها، بمعنى صلاحيتها للاستدلال العلمي والمنطقي؛ لأنَّ العقل الأولي كما يحكم بضرورة الاستدلال على الاعتقاد النظري أو العملي، فإنَّه يحكم أيضاً بضرورة إحراز حجّية أو صلاحية الدليل الذي نعتمد عليه ونستدل به، وإلَّا فالمستدل بدليل فاسد، في حكم غير المستدل أو الحاكم بغير دليل.

فنقول مثلاً: هل الدليل العقلي حجّة؟ أو هل الدليل النقلي حجّة؟

وهذه من المباحث الضروريّة المغفول عنها عند أكثر أصحاب العلوم والصناعات، حيث يعتمدون على طرق معرفيّة مختلفة دون البدأ بالبحث حول حجّيتها وصلاحيتها للاستدلال، ممَّا أفقد الكثير من هذه العلوم قيمتها ومصداقيتها، حيث يتبيّن بعد ذلك أنَّهم قد بنوا قصوراً على رمال.

بيان ذلك: إننا نجد أنَّ الكثير من أصحاب المذاهب الكلامية والعقائدية، يبنون صرح مذاهبهم ورؤيتهم الكونيّة على مناهج معرفية متعدّدة دون النظر فى حجّيتها، وكأنَّها مفروغة الحجّية والصحّة، وبطبيعة الحال، فإنَّ تعدّد المناهج المعرفيّة يؤدى بالضرورة إلى تعدّد الرؤى الكونيّة والمذاهب المتعلّقة بها، ثمَّ يقع الصراع المرير بين هذه المدارس حول أرائها الفلسفيّة أو الكلاميّة أو المادّية بنحوٍ لا يمكن التوفيق بينها، كما حدث على مرِّ التاريخ بين الفلاسفة والمتكلّمين؛ لغفلتهم عن تحرير محلَّ النزاع بينها، وهو تعدّد المسالك المعرفيّة.

والأسوء من ذلك ما يقع لأصحاب العلوم العملية، كعلماء الأخلاق والاجتماع والسياسة، حيث يبنون نظريّاتهم المختلفة، ويتصارعون حولها دون الأخذ فى الاعتبار مناشئ هذا الاختلاف والصراع، وهو تعدّد الرؤى الكونيّة، وما قامت عليه من تعدّد المناهج المعرفيّة، ولو حرّروا محلَّ النزاع لانتقل بهم البحث إلى المقام المعرفي أوّلاً ثمَّ المقام الفلسفي المتعلّق بالرؤية الكونيّة.

الثانية: حدود صلاحيتها للاستدلال، بمعنى الى أيِّ مدىً يمكن الاعتماد عليها، وطبيعة الموضوعات والقضايا التي تتعلّق بها أحكامها، وهذه من المباحث الضروريّة المانعة من تداخل العلوم والأحكام، وتؤمّن لنا الاستعمال الصحيح للأدلة المعرفيّة المختلفة فى مواضعها الصحيحة.

فنقول مثلاً: هل الدليل التجريبي بعد الفراغ من حجّيته يتعلّق بالموضوعات التى وراء المادّة؟ وهل الدليل العقلي بعد إحراز حجّيته يتعلّق بالجزئيات أو القضايا الاعتباريّة مثلاً؟

وما هي حدود الدليل النقلي، وهل يفيد اليقين أم الظن؟ وهكذا..

الثالثة: الارتباط المنطقي بين مصادر المعرفة، وما هو الحاكم وما هو المحكوم، وما هو الذي ينبغي تقديمه وما هو الذى ينبغي تأخيره عند التعارض، وهو أيضاً من المباحث المهمة جدّاً والمانعة من تصادم وتضارب الأحكام العلميّة؛ وبالتالي اجتناب الصراع.

فمثلاً إذا تعارض الدليل العقلي مع الدليل النقلي فى مسألةٍ عقائديّة، أيّهما يُقدّم على الآخر؟ وهكذا.

 

تأثير البحث المعرفي على المستويات الثلاثة

وممَّا تقدَّم تتبيّن لنا الأهمّية البالغة للبحث المعرفي على المستوى الفردي والاجتماعي والعلمي:
أوّلاً: على المستوى الفردي، حيث يستطيع الإنسان أن يبني رؤيته الكونيّة الفلسفيّة على أساسٍ متين ومنهج معرفي مناسب وصحيح؛ وبالتالي يتمكن من وضع آيديولوجيّة عملية صحيحة تمهِّد له طريق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.

فالإنسان إنَّما يسعد أو يشقى بسلوكياته وأفعاله الاختيارية، المبتنية كما قلنا على العقيدة العمليّة القائمة على الرؤية الفلسفيّة التى تمَّ تشكيلها على أساس منهجٍ معرفي معيّن.

فالخطأ فى انتخاب المنهج المعرفي الصحيح للبحث النظري والعملي، يؤدي بالضرورة إلى الانحراف فى بناء الرؤية الكونيّة الواقعيّة، والوقوع فى مستنقع الآيديولوجيات الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسية الفاسدة والمضلِّلة للسلوك الاختياري عند الإنسان.

ثانياً:  على المستوى الاجتماعي،  فإنَّ تقنين الفكر ووضع ميزان معرفي دقيق يصلح لأن يكون معياراً للتفكير الصحيح، وأساساً للحوار الفكري الهادف البنّاء، بعيداً عن المهاترات والجدالات العقيمة؛ لأنَّ الحوار الفكرى إن كان يتعلّق بالمسائل العمليّة كالمباحث الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية، فينبغي أن ينطلق طرفي الحوار من رؤية كونية واحدة، ومنهج معرفي واحد، وإلَّا استلزم ذلك عقم الحوار، وكذلك إن كان الحوار يتعلّق بالمسائل النظريّة العقائدية، حيث ينبغي أن يعتمد المتحاورون على منهجٍ معرفي واحد، وإلَّا لأصبح الحوار بلا جدوى، ولتحوّل إلى صراعٍ وتناحر.

وهذا هو في الواقع محور آداب الحوار الحقيقي، وأمَّا عدم التعصّب وحسن الإنصات واحترام الرأي الآخر ـ الذي ينادي به الحداثويون ـ وغيرها من الآداب الأخلاقية، وإن كان مطلوباً كوسيلة لاستمرار التحاور البنّاء، ولكنه ليس غاية للحوار، بل ينبغي أن يكون الحوار ه ادفاً ومثمراً، وعلى أساس قوانين علمية ومنطقية؛ ليتميّز الحق من الباطل، والصواب من الخطأ.

وتقنين الفكر إنَّما يكون بتقنين التفكير وتقعيده، بحيث يقوم على أُسس منطقية وموضوعية بعيدة عن الميولات والأذواق الشخصية.

بيان ذلك: إنَّ التفكير كظاهرة طبيعية محكومة بسلسلة من القوانين العقليِّة النابعة من فطرة الإنسان، والتي اكتشفها المعلّم الأوّل أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، وقام بوضعها بعد تصنيفها وترتيبها وبيان شرائطها وأحكامها في صناعة المنطق، حيث يمكن أن نشير إليها بما يناسب المقام:

فنقول: لا شكّ أنَّ الحياة التفكيرية من الخصائص الذاتية للطبيعة الناطقة الإنسانية، والتفكير هو الحركة الإرادية في المعقولات الذهنية بقصد اكتساب المجهول، الذي يكون مجهولاً من وجه، ومعلوماً من وجهٍ آخر.

والشيء كما يُعلم من وجهين تصوّراً وتصديقاً، فهو يُجهل من وجهين، فالتفكير إنَّما يقصد به اكتساب المجهول التصوّري أو التصديقي بحيث يصير معلوماً للإنسان.

واكتساب المجهول لا يكون إلَّا بالمعلوم؛ لأنَّ الحركة تكون فيه، وهو رأس مال المفكر، ولذا قال الحكماء:(وكلُّ تعليمٍ وتعلّمٍ ذهني وفكري فإنَّما يحصل بعلمٍ قد سبق)([2]).

وهذه الحركة التفكيرية في الواقع حركة صناعية تأليفية، مركّبة من مادّة وصورة، فأيُّ صانعٍ يحتاج في صناعته إلى مواد خام معيّنة، يؤلّف بينها على صورة خاصة لتحصيل المطلوب.

والخطأ في الصناعة إن حصل، فإمَّا أن يكون من جهة المادّة، أو من جهة الصورة، أو من كليهما معاً، والصانع الماهر هو الذي يستطيع أن ينتخب المواد الجيّدة والمناسبة، ثمَّ يؤلّف بينها على الهيئة أو الصورة المناسبة للمطلوب.

وصناعة المنطق هي التي تعلّمنا كيف ننتخب المعلومات المناسبة التي تكون مادّة المطلوب، وكيف نؤلّف بينها ونرتبها على الهيئة الصحيحة.

وبيان كيفية الترتيب المناسب للمعلومات، إنَّما يكون على عهدة المنطق الصوري في بابي المعرّف والدليل، وأمَّا كيفية انتخاب المواد المناسبة، فيكون على عهدة الصناعات الخمس.

وفي باب المعرّف نتعلم كيف نكتسب المجهول التصوّري بالحدِّ والرسم، ومقدّمته مبحث الكليات الخمس، وفي باب الحجّة أو الدليل نتعلم كيف نكتسب المجهول التصديقي، أي: كيفية الاستدلال، ومقدّمته مبحث القضايا.

ومن هنا صارت مباحث المنطق الصوري أربعة أبواب، وإذا ألحقنا به مباحث الصناعات الخمس، صارت مجموع مباحث المنطق تسعة أبواب.

وقد تبيّن في باب المعرّف، أنَّ الحدَّ التام المؤلّف من الجنس والفصل هو وحده الذي يؤمّن لنا تصور الأشياء على ما هي عليه في الواقع ونفس الأمر، حيث إنَّه يتألف من الأجزاء الذاتية للماهيّة التي تمثّل الحقيقة المعقولة للشيء في نفسه وذاته. أمَّا الأجزاء البسيطة، فتعرَّف بلوازمها الذاتية البيّنة والقريبة التي تقوم مقام الكنه في الحكاية عن الذات، كما صرّح بذلك أساطين المنطق والحكمة.

وقد تعرّض المناطقة في باب المعرّف، وأيضاً في صناعة البرهان، إلى كيفية اكتساب الحدّ بالتحليل والتركيب، وبيان المعيار الصحيح في مطابقته للمحدود الخارجي، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى هناك([3]).

أمَّا في باب الدليل، فيتعرّض المناطقة إلى أنواع الاستدلالات المختلفة من حيث الصورة، من القياس والاستقراء والتمثيل، وتبيّن أنَّ القياس هو العمدة في الاستدلال وإليه يرجع الاستقراء والتمثيل.

وقد قسّموا القياس من حيث الصورة إلى اقتراني واستثنائي، وبيّنوا الأشكال الأربعة للقياس الاقتراني بضروبه المختلفة، وأثبتوا هناك أنَّ صورة القياس الاقتراني والاستثنائي الجامع للشرائط المذكورة هناك، هي التي تفيد اليقين اللازم دائماً من حيث الصورة، وأنَّ الشكل الأوّل للقياس، هو أفضل الأشكال وأكثرها بداهةً في إفادة اليقين الصوري وإنتاج الموجبة الكلية، ثمَّ يليه الشكل الثاني فالثالث، حيث يكون الحدُّ الأوسط هناك دائماً واسطة ضرورية في إثبات النتيجة.

وقد كانوا تعرّضوا قبل ذلك في باب القضايا، وبعد البحث عن صورها إلى بيان أصنافها، من حيث تعلّق أنحاء التصديق بها، وهي المسمّاة بالأحوال المادّية للقضايا، حيث قسّموها بالقسمة الأولى إلى أربعة أصناف، وهي: المسلّمات، والمظنونات، والمخيّلات، والمشبّهات. والمسلّمات هي القضايا التي تفيد تصديقاً جازماً لسببٍ ما، وهذا السبب إمَّا أن يكون من تلقاء نفس المصدّق وهي المعتقدات، أو من خارج كقول نبيٍّ أو إمام أو ثقة، وسمّوها بالمأخوذات والمقبولات.

ثمَّ قسّموا المعتقدات إلى القضايا التي يعتبر فيها المطابقة للخارج أو لا يعتبر فيها ذلك، والأولى إمَّا أن تكون مطابقة للواقع بالفعل وهي الواجب قبولها أو البديهيات، أو لا، وهي الوهميات، أي: الاعتقادات الخاطئة في الجهل المركّب، وأمَّا التي لا يعتبر فيها المطابقة للواقع، فهي المشهورات([4]).

فقد تحصّل ممَّا تقدَّم: إنَّ القضايا التي تفيد اليقين وتكون مطابقة للواقع دائماً هي البديهيات العقليِّة والبيّنة بنفسها، وما يبتنى عليها من النظريّات المبيّنة بها.

وبعد الفراغ من البحث الصوري للقياس، أفردوا بعد ذلك بحثاً عن القياس من حيث مواده المأخوذة فيه، أي: طبيعة القضايا التي تشكّل مقدّمات القياس ومبادئه الأُولى من حيث تعلّق التصديق بها كما مرَّ، فانقسم القياس بحسبها إلى خمسة أنواع تدخل في صناعات خمس، وهي:

 القياس البرهاني المؤلَّف من القضايا الواجب قبولها بالذات أو بالغير، ويهدف إلى معرفة الحقيقة بحسب الواقع ونفس الأمر. والقياس الجدلي المؤلَّف من المشهورات والمسلّمات، ويهدف إلى إلزام الخصم وإفحامه. والقياس الخطابي المؤلَّف من المظنونات والمقبولات غير المشهورة، ويهدف إلى إقناع الجمهور. والقياس الشعري المؤلَّف من القضايا المخيّلة، ويهدف إلى التأثير في نفس المستمع بالقبض أو البسط. والقياس المغالطي السوفسطائي المؤلَّف من المشبّهات، ويهدف إلى التضليل أو التخطئة الامتحانية.

وقد تبيّن إنَّ القياس البرهاني الذي صورته صورة القياس المنتج بالضرورة العقلية، ولا سيّما من الشكل الأوّل البديهي الإنتاج، ومادّته القضايا الواجب قبولها بالذات أو بالغير، هو الوحيد من بين هذه الأقيسة، الذي يفيد اليقين بالمعنى الأخص؛ أي: اليقين الثابت المطلق المطابق للواقع.

أمَّا إفادته اليقين، فلأنَّ صورته بديهية الإنتاج ومادّته القضايا واجبة القبول، أمَّا كونه ثابتاً ومطلقاً ومطابقاً للواقع، فلأنَّ الحدَّ الأوسط فيه ـ علاوةً على كونه واسطة في الإثبات العلمي كسائر الأقيسة الصحيحة الصورة ـ هو أيضاً واسطة في الثبوت، أي: ثبوت النتيجة؛ لكونه علّة واقعية، إمَّا خارجية أو تحليلية نفس أمرية لثبوتها.

مثال العلَّة الخارجية كقولنا:(الإنسان ناطق)، (وكلُّ ناطقٍ متعجب)(فالإنسان متعجب).

فالحدُّ الأوسط هنا، كما أنَّه واسطة في الإثبات العلمي للنتيجة، فهو علَّة اقتضائية خارجية لثبوت التعجب للإنسان.

ومثال العلَّة التحليلية قولنا:(العالم متغيّر)، (وكلُّ متغيّرٍ حادث)، (فالعالم حادث).

فالتغيّر هنا كما أنَّه واسطة في إثبات النتيجة، فهو علَّة تحليلية نفس أمرية اكتشفها العقل كعلّة واقعية للحدوث؛ لأنَّ التغيّر خروج من القوّة إلى الفعل، وهو يستلزم الحدوث الذي هو خروج من العدم إلى الوجود.

وهذا معنى قولهم:(إنَّ ذوات الأسباب لا تعلم إلَّا بأسبابها)([5]) وإنَّ البرهان هو الذي يفيد العلم بالأشياء من أسبابها الذاتية، قال ابن سينا:(فإن َّالعلم اليقيني بكلِّ ما له سبب، من جهة سببه)([6]). وبناءً على ذلك فاليقين البرهاني ثابت؛ لامتناع انفكاك العلَّة التامة عن معلولها. وهو مطلق، أي: غير نسبي؛ لأنَّه لم تحصل نتيجته بالذوق والاستحسان، بل بنحوٍ موضوعي واقعي.

كما أنَّه مطابق للواقع؛ لمطابقة مقام الإثبات العلمي مقام الثبوت الواقعي. هذا وقد وضع المناطقة في صناعة البرهان شرائطَ وأحكاماً متعدّدة للقياس البرهاني، من لزوم كون مقدّماته كلية، حتى يصدق الحكم على جميع الأفراد في جميع الأحوال، وضرورية الصدق، وذاتية المحمول، بمعنى أن يكون المحمول مأخوذاً في موضوعه أو العكس، لتكون المقدّمات بيّنة وعلّة بالذات ومسانخة للنتيجة، وأن تكون أولية بمعنى ألّا يعرض المحمول على الموضوع لأمرٍ أعم، حتى لا تتداخل العلوم فيما بينها، إلى غير ذلك من الشرائط التي تهدف إلى شيءٍ واحد، وهو إفادة اليقين بالمعنى الأخص، الذي هو أرقى وأشرف أنواع الاعتقاد.

إلى هنا يكون قد تبيّن لنا طبيعة المنهج العقلي البرهاني لهذه المدرسة المعرفية، فهي لا تعتمد في كشف الواقع إلَّا على الحدِّ أو ما يقوم مقامه عند الضرورة في اكتساب التصوّر، وعلى القياس البرهاني في اكتساب التصديق، بحيث تكون كلُّ معارفها الوجودية ورؤيتها الكونيّة الفلسفيّة وآيديولوجيتها العمليّة بعد ذلك مبنية على أساس محكم ورصين على قدر الطاقة البشرية.

وممَّا تقدَّم يتبيّن لنا أنَّ هذه القوانين ليست اعتبارية أو تعبّر عن وجهة نظر شخصية، بل هي مكتشفة ومنتزعة من البديهيات العقليِّة الأولية، والتي يستلزم إنكارها الوقوع في مستنقع السفسطة والشك المطلق.

ونحن في البحث المعرفي، واستناداً إلى هذه القوانين الطبيعية المحقّقة، نبحث عن صلاحية هذه المناهج المعرفية ودائرة صلاحيتها وعلاقة بعضها ببعض، حتى نتمكن أن نضع الأشياء في مواضعها الطبيعية ونستعمل الأدوات المعرفية في مواضعها المختصّة بها دون تداخل أو طغيان.

فكلُّ بحثٍ علمي له أدواته المختصّة به، والتي ينبغي الاعتماد عليها إثناء الحوار، ومع اعتماد المنهج المعرفي المناسب للموضوع، يمكننا حينئذٍ من التوصّل إلى نتائج صحيحة ومتقاربة دون تناحر أو صراع، وتكون جميع حوارتنا الفكريّة بنّاءة ومثمرة، وهو من أبرز معالم الحضارة الإنسانية الحقيقية.

ثالثاً: على المستوى العلمي (تأسيس علم أصول الاعتقاد بإزاء علم أصول الفقه).

وهو من العلوم المفقودة المجهولة في حوزاتنا العلميّة ومراكزنا الجامعيّة للأسف الشديد، مع كون الحاجة إليه ماسة وضرورية.

فالعقل الأولي كما يحكم بضرورة الاستدلال على سائر الأحكام العلمية، يحكم أيضاً بضرورة إحراز صلاحية هذه الأدلة للاستدلال قبل الاعتماد عليها في تحقيق المسائل العلميّة.

وقد توجّه الفقهاء منذ قديم الزمان فى حوزاتنا العلميّة إلى ضرورة وجود هذا العلم بالنسبة لأدلة استنباط الأحكام الشرعيّة، فوضعوا علم أصول الفقه، حيث توصّلوا فيه إلى بيان حجّية أدلة استنباط الأحكام الشرعيّة، ودائرة حجّيتها، وعلاقة بعضها ببعض، وكيفية ترجيح بعضها على بعض عند حصول التعارض، الأمر الذي أدّى إلى تحكيم أُسس علم الفقه، وصيانة الأحكام الفقهيّة من الانحراف.

أمَّا في مجال أصول الفكر والاعتقاد، فقد تمّ إهمال هذا العلم بالكليّة من قبل المراكز والحوزات العلمية، ممَّا أدّى إلى فقدان الموازين الفكريّة وانفراط عقد المباحث الفكريّة والاعتقاديّة، والوقوع في مستنقع الخرافات والفوضى المعرفيّة والصراع الفكري المرير.

فقد تفرّق الناس فى المجال الفكري المعرفي إلى اتجاهات ومسالك معرفية مختلفة ومتقابلة، من عقليّة ونقليّة وحسِّية وعرفانيّة وكلاميّة وغيرها، ممَّا أدّى إلى وقوع الصراع والتناحر الفكري بينها على مرِّ التاريخ، بعد أن تولّد منها مدارس فكريّة مختلفة تقف فى وجه بعضها البعض.

ولا نجاة لنا للخروج من هذا المستنقع إلَّا بإحياء هذا العلم، وتثبيت أركانه، وتأسيس موازينه؛ انطلاقاً من نقطة الصفر، لتشييد صرح الفكر والمعرفة على أساسه.

علماً أنَّ المشاكل التي تواجه البحث الفكري والاعتقادي، إن لم نقل أكثر فليست بأقل من المشاكل الحاصلة في البحث الفقهي واستباط الفتوى، فإن كانت علَّة الاحتياج إلى البحث الأصولي في علم الفقه وجود جملة من المشاكل يراد حلّها وتجاوزها، فهي بعينها حاصلة في البحث الفكري والاعتقادي، والمعلول لا يتخلّف عن وجود علّته، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى إنَّ الانحراف الذي قد يقع في الفكر أو الاعتقاد أخطر بكثير من الأخطاء التي يمكن أن تقع في جزئيات وفروع عمل المكلّف؛ إذ بالأوّل يفسد الدِّين ويتبعه فساد العمل، والثاني لا يكون إلَّا بفساد بعض العمل مع سلامة الدِّين؛ لذا ورد أنَّ مسائل الاعتقاد هي الفقه الأكبر؛ ولذا نجد أنَّ الانبياء سلام الله عليهم أوّل ما ابتدوا به ومدحوا العقل، وحاولوا إرجاع الناس إلى عقولهم، ثمَّ دعوهم لقبولهم🙁 يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِا الله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)، ومئات الآيات الشريفة على هذا النمط، فمثل هذه الآيات مليئة بالقياسات العقلية، ومرشدة إلى كيفية الوصول إلى النتائج الحقّة المطابقة للواقع بعد بناء المقدّمات التفكيرية الصحيحة.

 

أبواب البحث المعرفي

وممَّا تقدَّم يتبيّن لنا أهمّية البحث المعرفي على المستوى الفردي والاجتماعي والعلمي، وينبغي لنا الآن التعرّض لأبواب هذا العلم الذي يندرج فيها مسائله، فنقول: إنَّ البحث المعرفي ينقسم بالقسمة الأولى إلى ثلاثة أبواب، بينها ترتيب طبعي طولي منطقي:

في الباب الأوّل يدور البحث حول قيمة المعرفة، وهل أنَّ لمعارفنا الحاصلة لنا بالطرق المختلفة قيمة معرفية، بمعنى أنَّها مطابقة للواقع أم لا؟

وهذا المدخل نسمّيه بنقطة الصفر التي ينبغي الانطلاق منها لتشييد صرح المعرفة؛ لأنَّه بدون تثبيت واقعية معارفنا النظريّة والعملية، وإثبات إمكان المعرفة، فلا يمكن أن ينفتح باب التعليم والتعلّم، ويمتنع إثبات أيِّ اعتقادٍ نظري أو قيمة عملية.

وفى هذا الباب يتمُّ التصدّي لسائر المذاهب التشكيكية والسفسطائية والنسبية، وإثبات إمكان العلم واليقين وثبات العلم وإطلاقه.

وبعد الفراغ من الباب الأوّل وإثبات قيمة المعرفة وإمكان العلم، ننتقل إلى الباب الثاني في البحث حول أدوات المعرفة المتاحة لنا لكشف الواقع وتحصيل المعرفة، كالحسَّ والتجربة والعقل والنقل والقلب.

وهناك يتمُّ البحث الموضوعي عن حجّية هذه الأدوات المعرفية، بمعنى صلاحيتها للاستدلال وحدود صلاحيتها بالنسبة لموضوعات أحكامها؛ لنتعرّف في النهاية على الميزان المعرفي الصحيح والصادق، الذي نرجع إليه سائر الموازين والأدوات في منظومة متكاملة ومنسجمة مع بعضها البعض.

وفي الختام يتعرّض البحث المعرفي في بابه الثالث إلى بيان معالم المدارس المعرفيّة المختلفة، كالمدرسة التجريبية والأخبارية والكلاميّة والفلسفيّة والعرفانيّة والمدارس التلفيقيّة من كلمات شيوخها وعلمائها، ثمَّ وضعها تحت مجهر النقد العلمي الموضوعي؛ لبيان مواضع الخلل أو القوّة فيها؛ لنخلص في النهاية إلى المدرسة الحاكمة التي ينبغي أن ترجع إليها سائر المدارس المعرفيّة الأخرى، وتعمل في ظلِّ حكومتها الرشيدة، ألا وهي المدرسة العقليِّة.

وفى هذا الباب يتمُّ التعرّض لهذه المدارس لا من الناحية الفلسفيّة أو الكلاميّة أو الآيديولوجيّة، بل يدور البحث من الجهة المعرفيةّ، والتي أهملها أصحاب هذه المدارس الفكريّة، وأوقعونا فى مستنقع من الصراعات الفكريّة والمذهبيّة التي لا حدَّ لها ولا نتيجة؛ لأنَّه مع اختلاف المناهج المعرفيّة لا يمكن الوصول إلى رؤية كونيّة واحدة أو آيديولوجيّة مشتركة.

ومن هنا تكمن أهمّية الشروع بالبحث المعرفي قبل البحوث الفكريّة الأخرى، فينبغي أن نوجّه دفة بحوثنا الفكريّة تجاه البحث المعرفي للاتفاق أوّلاً على موازين ومناهج البحث العلمي؛ لنتمكن بعد ذلك من الخوض في المباحث الفكريّة النظريّة والعمليّة بنحوٍ علمي ومنطقي، لنصل بعدها إلى نتائج متقاربة تخدم العلم والمجتمع بعيداً عن الصراعات المذهبية والتناحر الفكري؛ إذ بالبحث المعرفي نضع الحدَّ الفاصل بين الاتجاهات المختلفة للمدارس المتعرّضة للبحث الفلسفي والمعرفي، ويكون ذلك من خلال التمييز بين أدوات المعرفة المعتمدة لدى كلِّ مدرسةٍ، وبيان قيمتها المعرفية وحدود إدراكها كما أسلفنا.

([1]) نفس الشفاء: ص 285.

[2] برهان الشفا: ص57 .

([3]) برهان الشفاء: ص 306.

([4]) انظر، الإشارات والتنبيهات (شرح المحقّق الطوسي) ج1: ص213.

([5]) برهان الشفاء: ص57.

([6]) برهان الشفاء، شرح الشيخ مصباح اليزدي، ص237.



займ на картукредит онлайн