أهمية علم المعرفة | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 24 فبراير, 2014
المشاهدات: 4٬305
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

 هناك أسئلة كثيرة يطرحها الإنسان على نفسه، منذ أن عرف نفسه، بل نجد الأطفال برغم بساطة تفكيرهم وقلة تعقلهم يطرحونها على آبائهم وأمهاتهم، وكل واحد يسعى للحصول على ما يقنعه من الإجابات عنها، ولو حاولنا استقراء ما يطرح من أسئلة تدور في ذهن الإنسان حول وجوده ومصيره، نجد أنها تنحصر في ثلاثة أسئلة أصلية، قد تطرح بصياغات مختلفة وبعبارات كثيرة تتناسب مع المستوى الفكري لكل إنسان، وقد تتفرع منها أسئلة كثيرة، ولو وجد الإنسان الأجوبة المقنعة لتلك الأسئلة الثلاثة، لاستطاع أن يجد منفذا للجواب عن سائر الأسئلة.

تلك الأسئلة عبارة عن: من أين أتيتُ إلى هذا العالم؟!، أو من الذي أوجدني، هل هو أبي وأمي…. ولو كان كذلك: فمن أوجدهم هم؟

 لماذا أتيتُ إلى هذا العالم؟ لماذا ولدني أبواي، هل وجدت لأنهما يرغبان بأن يكون لهما ولد فقط؟، أم هناك سر في الموضوع! …ما هو؟

 إلى أين يذهب من يموت؟ أين ذهب جدي وجدتي! وأين سأذهب أنا؟، هل سنتحول إلى تراب وتنتهي القصة؟ هذا الوجود الفعال الذي سخر كل شيء حوله لأجل راحته، سينتهي بعد هذه السنين القلائل ليتحول إلى تراب؟!!.

هذه الأسئلة يطرحها الإنسان على نفسه بحكم ما يمتاز به من عقل وتفكير، ويجد نفسه قلقا ومضطربا عند عدم وصوله إلى أجوبة مقنعة لها، فيجد نفسه وبحكم طبيعته الإنسانية ذات الميول الفطرية نحو البحث والتحقيق، ملزماً بالسعي وراء الحصول على إجابات صحيحة ومقنعة لهذه الأسئلة ليرتاح ويطمئن، ولعلك تجد من يحاول أن يشغل نفسه عن مثل ذلك، ويظهر نفسه بمظهر اللامبالاة تجده دائم الاضطراب، غير سعيد في حياته، يحاول أن ينسيها كيانها، فيلجأ إلى إفناء قواه بالعمل المتواصل، وفي أيام راحته يلجأ إلى ما يعطل عقله وتفكيره ويشل ميوله المعرفية الفطرية، ليخرج عن إنسانيته ويتقمص قميصا آخر.

إن من حق كل إنسان أن يعرف نفسه وخصائصها، ومعرفة كل ما يخصّ حياته التي يعيشها، وما هو مصيره، إذ ليس حاله كحال الماكنة التي تعمل لتنجز العمل المطلوب منها، ثم تعطَّل لترتاح وتزود بالوقود والزيت، ثم تعود للعمل من دون أن تدرك شيئا عن كيانها ومصيرها، إلى أن تصبح خردة مصيرها الأنقاض.

إن البحث والتحري عن حقيقة الإنسان ومبدأ وجوده والغاية منه ومصيره بعد الموت ضروري ولازم لمن يريد أن يُحدد مسار حياته، ويحدد لها منهجا، سواء كان هذا المنهج ماديا أو إلهيا، وإن أي تقدم يمكن أن يحققه الإنسان في حياته، إنما يتحقق بوجود برنامج دقيق وتخطيط صائب، ثم العمل على طبق هذا البرنامج، والأخذ بذلك التخطيط، وهذه القضية ينتهجها الإنسان بشكل طبيعي في عمله في مصنعه أو حقله، فمثلا بالنسبة لما يصنعه ويبتكره من أجهزة أو آلات، فهو يضع لها نظاما صارما على ضوء دراسة طبيعة وجودها، والغاية من صناعتها، وطبيعة عملها، بل وحتى كيف يتعامل معها بعد نهاية عمرها وخروجها عن الخدمة، فيضع لها مخططا لتشغيلها ويرفقه معها، وينصح مستعملها بأن يتبع التعليمات الواردة في هذا المخطط!!، أفليس حريّا بالإنسان أن يهتم بنفسه هذا الاهتمام ويرسم لحياته مخططا يعتمد على تلك المعلومات وعلى ضوء تلك المعطيات؟!.

لا يشك عاقل بأن وضع أي برنامج ورسم أي تخطيط لحياته، لا يتم بشكل صحيح وعملي إلاَّ بعد معرفة صحيحة ودراسة واقعية لحياته نفسها، ولما يدور حوله، فلكي يجد الإجابة الصحيحة والمقنعة عن سؤاله المهم وهو: ماذا أفعل في هذه السنين التي أعيشها في هذه الدنيا؟، وأي طريق أسلك؟، وأي منهج أنتهج؟. يجب عليه أولا أن يجيب عن تلك الأسئلة التي تمهد له طريق الإجابة عن سؤاله هذا: من أنا؟، ومن أوجدني، ولماذا أوجدني، وأين سينتهي بي المصير بعد انقضاء سني عمري؟، ما هو الشيء الذي يجب علي أن أهتم بتحصيله في هذه الحياة الدنيا؟ أهو المال، أم الشهرة، أم السلطة، أم إشباع شهواتي، أم هو شيء آخر غير هذه؟؟.

ولما كان الإنسان قد خلقه الله تعالى فاعلا بالاختيار، وقد ثبت في محله أن للفعل الاختياري مبادئ أولها المبدأ العلمي، وهو إدراك المصلحة أو المفسدة في الفعل المعين، والتي ينقدح عنا الشوق نحو ذلك الفعل أو عدمه، ثم تتحقق الإرادة أو المبغوضية له، وبالتالي يحرك الإنسان عضلاته ويتحرك نحوه أو يتركه، كان لزاما على الإنسان كي يحدد تلك المصلحة أو المفسدة بشكل صحيح ودقيق، وبالتالي يصدر عنه الفعل في محله وبشكله الصحيح، أن يكون تحديده لتلك المصالح والمفاسد في الأفعال، على ضوء تلك المعارف التي يحملها عن حقيقة الإنسان وما يحيط به، وبالتالي تحديد الكمال اللائق به، ومنه تحدد المصالح والمفاسد تلك.

فالإنسان لا يستغني عن تحصيل المعرفة مع كل خطوة يخطوها ومع كل عمل يقوم به، وإلى هذه الحقيقة تُشير الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام).

فعن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال في وصيته إليه: يا كميل ما من حركةٍ إلاَّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة. (1)

وعن طلحة بن زيد قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلاَّ بعد (. (2)

وعن سفيان بن عيينة، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: وجدت علم الناس كله في أربع، أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك (3. وهذه الرواية الأخيرة دلت على أمر مهم جدا بالإضافة لما قررناه سابقا، وهو أن الوصول إلى الهدف المنشود يتوقف أيضا على معرفة الموانع التي تقف في طريق الوصول إلى ذلك الهدف، لأجل اجتنابها وعدم الانزلاق في واحد منها.

فالمتحصل مما تقدم أن السلوك الإنساني الاختياري ينطلق من مبادئ علمية؛ تسمى بـ(الأيديولوجيات)، أو القضايا التي يعبر عنها بـ (ما ينبغي أن يكون).

وتبتني هذه القضايا العلمية على مجموعة أخرى من القضايا وهي التي يعبر عنها بالقضايا النظرية الكلية التي تشكل ما يسمى بـ (الرؤية الكونية) أو ما هو كائن، وهي عبارة عن القضايا الكلية التي تمثل أجوبة عن الأسئلة الثلاث المتقدمة وما يتفرع عنها من أسئلة، والتي تعبر عن وجهة النظر العامة عن حقيقة الموجودات بشكل عام من حيث حقيقتها ومبدئها ومنتهاها.

وفي الاصطلاح الشرعي يعبر عن الرؤية الكونية بـ (أصول الدين) وعن الأيديولوجيات بـ (فروع الدين)، التي تتمثل بالأحكام العملية الجزئية في قسميها العبادات والمعاملات.

ولكن يبقى السؤال المهم والملح هنا، والذي ينبغي علينا أن نبحث عن الجواب الصحيح له، وهو: كيف يمكننا أن نكون رؤية كونية صحيحة؟، أو كيف لنا أن كشف عن واقع هذه الموجودات لنحدد مبدئها ومنتهاها وما يتعلق بحقائقها؟!.

إن بناء رؤية كونية صحيحة يتوقف بشكل أساسي على الاختيار الصحيح للمنهج المعرفي  الذي سنستعمله في الكشف عن الواقع ومعرفة الخطأ من الصواب، وهذه الخطوة تعتبر هي الخطوة الأولى والأساس الذي ستبتني عليه أركان الروية الكونية لنا، ليس هذا فحسب، فليس المنهج المعرفي المختار لنا يشكل أساسا للروية الكونية فقط، بل ولابد أن يمثل الدعامة الأساسية التي ستصعد مع أركانها لأجل أن يحافظ على استقامتها، ويحميها من كل ما يعارضها ويعرضها للانهيار، كالمهندس الحاذق عندما يبني بناية كبيرة وعالية فإنه يجعل الأساس محكما أولا، ثم يخرج من نفس ذلك الأساس دعائم حديدية تدعم البناء الفوقي وتحفظه من الانهيار عندما يتعرض للعواصف والزلازل وغيرها.

ومن هنا يتضح لنا أهمية الاختيار الصحيح للمنهج المعرفي الذي سنستخدمه ليكون أساسا وحافظا للصرح العلمي الذي يكّون رؤيتنا الكونية التي تنطلق منها الإيديولوجية ومنهج الحياة.

وهنا يأتي دور علم المعرفة، إذ أنه العلم الباحث عن المناهج المعرفية المستعملة في الكشف عن الواقع، وحجية تلك المناهج، ودائرة تلك الحجية سعة وضيقا، وتحديد العلاقة بين تلك المناهج، وتحديد المنهج الحاكم عليها، وكيفية إمكان استفادة كل منهج من المنهج الآخر، حدود تلك الاستفادة.

هذه هي الفائدة الأساسية لعلم المعرفة، وهناك فوائد أخرى مهمة جدا أيضا، منها:

– تأسيس قواعد الحوار المنطقي البنّاء والصحيح

إن أهم ما تميز به البشر هو الفكر والاستدلال، وكذلك نقل الأفكار والآراء من شخص إلى آخر، وبالتالي إمكان التحاور وعرض الأفكار المختلفة فيما بين أبناء البشر، لأجل نقدها وترشيدها، وبالتالي الوصول إلى مبتنيات فكرية متطابقة أو على الأقل متقاربة وغير متقاطعة، ويعد الحوار الفكري وتبادل الآراء من أبرز مظاهر المجتمع الإنساني المتحضر، لأن من أبرز معطيات الحوار البنّاء بينهم هو التوصل إلى حلّ الكثير من المشكلات العلمية النظرية والعملية.

ولكن كيف يكون الحوار بناء؟!

ولكي يكون الحوار بناء لابد أن ينطلق من أسس علمية مشتركة بين طرفي الحوار، وأن يعتمدوا على الأسلوب الصحيح المنطقي فيه.

وأهم الأسس التي يجب أن تراعى في الحوارات الفكرية والإعتقادية، هو الاتفاق أولا على المنهج المعرفي المحكَّم في مادة الحوار، فنحن نشاهد نجاح الكثير من المؤتمرات والندوات العلمية التي تجري بين أرباب العلوم الطبيعية كالطب والهندسة والفلك وغيرها، وليس ذلك إلا لأنهم تجاوزوا عقدة الاتفاق على المنهج المعرفي الواحد، إذ أن الجميع يتفقون على استعمال المنهج التجريبي المختبري في مثل هذه العلوم، ويتحاكمون ويتحاججون على أساس معطيات التجربة والمختبر، أما الحوارات الفكرية والإيديولوجية فعادة ما تتخذ طابع الجدل العقيم والعناد والتخاصم والتهاتر، وليس ذلك إلا لفقدان المنهج المعرفي الموحد في مثل تلك الحوارات، فلابد من تنقيح المنهج المعرفي أولا وفي رتبة سابقة، ليتم تعيين الميزان الذي يمكن الرجوع إليه ويكون حجة على الطرفين في معرفة الحق من الباطل عند الاختلاف بين المتحاورين.

 فالحوار إن كان يدور حول قضايا أيديولوجية عملية مثلا، فينبغي لطرفي الحوار أن ينطلقوا من رؤية كونية واحدة، مؤسس لها على ضوء منهج معرفي محدد، وإن كان يدور حول قضايا فكرية وإعتقادية، فينبغي أن ينطلقا من منهج معرفي مشترك بينهما لتنقيح نقاط الخلاف في تلك القضايا.

وعملية تنقيح المناهج المعرفية، وتحديد مجالاتها، لاختيار المنهج الصحيح الجاري في ذلك المجال، إنما يكون على عهدة علم المعرفة.

– تأسيس القواعد السياسية العامة لإدارة المجتمع

لا شك في أن الإنسان كائن اجتماعي، يعيش على شكل جماعات يتبادل أفرادها المنافع المختلفة لأجل الوصول إلى التكامل المنشود له المادي والمعنوي، ولما كانت النشأة المادية ـ التي خلق عليها الإنسان في الدنيا ـ تقتضي بطبيعتها التزاحم والتصادم في المصالح والحقوق لأفراد المجتمع، احتاج المجتمع إلى قانون، يحفظ المصالح والحقوق، ويرد المعتدي، ويحمي الضعيف، وهذا أمر غير قابل للإنكار.

ولكن يأتي السؤال المهم هنا، وهو: كيف يمكننا وضع القانون الصحيح الذي يلبي للإنسان هذا الاحتياج الملح؟!.

إن الطريقة الصحيحة لوضع أي قانون تعتمد أولا وبالدرجة الأساس على تحديد الأسس العامة التي توضح حقيقة الإنسان وحقيقة كماله المطلوب تحصيله، وبعبارة أخرى يعتمد على الرؤية الكونية الصحيحة، التي ـ كما قلنا سابقا ـ تنطلق من منهج معرفي معين، فالإدارة السياسية للمجتمع البشري تتوقف في النهاية على منهج معرفي معين يجب اختياره  بشكل محدد وصحيح أولا، وهو ما يتم في علم المعرفة.

عضو الهيئة العلمية في أكاديمية الحكمة العقلية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك وسائل الشيعة، الميرزا النوري : 17/267، ح/21302.
(2) الكافي، الشيخ الكليني: 1/43، ح1، باب من عمل بغير علم.
(3) نفس المصدر: 1/50، ح11، باب النوادر.


  1. سمحمد ايت الشيخ - الجمعة, 22 مايو 2015 في الساعة 2:34 م

    ماهو دور المعرفة في حياة الانسان وفي سلوكه


займ на картукредит онлайн