أسباب انحسار المنهج العقلي في الأمة الإسلامية في الماضي والحاضر | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 9 مارس, 2014
المشاهدات: 18٬890
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

لاشك أن العقل دعامة الإنسان الذي كرمه الباري تعالى به على سائر الكائنات، وجعله حجة فيما بينه وبين عباده.

 وقد حث الشارع المقدس الإنسان على التفكر والتعقل والنظر في الآيات الآفاقية والأنفسية: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).

وقد ثبت في العلوم أن أرقى أنحاء النظر والاستدلال هو النظر العقلي البرهاني القائم على أساس البديهيات الفطرية والمفيد لليقين الثابت والمطلق، وهو الميزان لسائر الأدلة والمناهج.

ولكن مع كل هذا فقد تعرض المنهج العقلي البرهاني على مر التاريخ للجفاء الشديد، ولأشرس حملات التشويه من قبل الناس والمحافل العلمية ومن قبل الأنظمة الجائرة، حتى تم إقصاوه بالكلية عن الجامعات والمعاهد الدينية وأغلب الحوزات العلمية، واستبداله بالمناهج الكلامية الجدلية والخطابية الظنية والمسالك الصوفية الخرافية والطرق الحسية المادية، مما استلزم عواقب وخيمة على المستوى الفكري والثقافي، كشيوع السفسطة والفوضى المعرفية، والخرافات العقائدية والتحجر الفكري.

ومن أجل كل هذا فقد حاولنا في هذا البحث المختصر التفتيش عن العلل والدوافع المختلفة، التي أدت إلى انحسار المنهج العقلي البرهاني في المجتمعات البشرية لعلنا نستطيع بعدها أن نصل إلى الحلول الناجعة لعلاج هذه المشاكل، من أجل الخروج عن هذه المحنة الإنسانية الكبرى، وهي كالآتي:

أولاـ فقدان الشرائط:

1 ـ دقة وصعوبة العلوم العقلية في نفسها، وتعقيد كتبها ومصادرها الأصلية، مما أدى بالكثير من الناس إلى اتخاذ تخصصات أخرى أقل مؤنة وعناء.

2 ـ ضعف المستوى العلمي لدى كثير من الناس، اللازم لتحصيل هذه العلوم الدقيقة.

3ـ مخالفة المنهج العقلي البرهاني للتفكير العرفي الشائع بين الناس.

4ـ مخالفة بعض النتائج الفلسفية لظواهر بعض النصوص الدينية، مما جعلها موردا للتشنيع من قبل أعداء هذه العلوم، وادعاء كونها أجنبية بل مخالفة للدين.

5ـ عدم إطلاع أكثر الناس على هذه العلوم وأهميتها الحياتية في تعيين مصير الإنسان، والناس أعداء ما جهلوا.

6 ـ عدم اهتمام المدارس والجامعات بالعلوم العقلية، والاكتفاء بالعلوم الرياضية والطبيعية.

7 ـ عدم اهتمام الحوزات العلمية في العالم الإسلامي بتدريس العلوم العقلية، والاكتفاء بتدريس العلوم النقلية من الفقه والأصول وعلوم القرآن والحديث.

8 ـ قلة الأساتذة المتخصصين والمهرة في تدريس العلوم العقلية، وهو نتيجة عدم الاهتمام والعناية من جانب المسؤولين في المحافل العلمية، الأمر الذي أدى إلى تصدي غير المؤهلين، بل المخالفين من أصحاب الميول الكلامية والعرفانية لتدريسها، مما أدى إلى عواقب وخيمة للغاية، وانصراف أكثر الطلبة عن دراستها أو التعمق فيها.

9 ـ عدم توفر الفراغ والصفاء الذهني اللازم لدراستها عند أكثر الطلبة، لانشغالهم بتحصيل العلوم الأخرى، بالإضافة إلى ضعف الهمة والإرادة، وترجيح الطريق الأسهل (الأخباري والكلامي العرفي) أو الأحلى (العرفاني الصوفي).

10ـ ضعف الترويج الإعلامي لهذا المنهج وعدم اهتمام أصحاب الشأن بذلك.

11 ـ فقدان الدعم المادي لترويج هذه العلوم، كدعم الأساتذة المتخصصين وطلبة العلوم العقلية، أو طبع ونشر وتحقيق التراث الفلسفي الإسلامي.

ثانيا ـ وجود الموانع:

أولاً ـ على المستوى الفردي:

1ـ غلبة العاطفة الإيمانية، والاعتقاد بأن مقتضى الإيمان والعبودية هو التسليم بالظواهر العرفية للنصوص الدينية العقائدية، دون الاستدلال العقلي والتعمق في الفهم والمعرفة، على غرار الأحكام الفرعية الفقهية.

2ـ الأنس العرفي والميل نحو التقليد، والاكتفاء بالظنون في الأمور الاعتقادية، كما هو في السيرة العقلائية العرفية.

3 ـ الميل نحو المحسوسات والتأثر بالماديات، عند أكثر الناس.

4 ـ سيطرة العقل الجمعي على تفكير أكثر الناس، والخوف من الجديد والتجديد على المستوى الفكري والعقائدي.

5 ـ توهم وجود بديل أفضل وأسهل من هذه العلوم العقلية (كلام ـ أخبار ـ تصوف).

 6ـ تصور الكثير أن دراسة العلوم العقلية من الترف الفكري الغير نافع في الحياة العملية.

ثانياً ـ على المستوى الاجتماعي والتعليمي:

1 ـ سيطرة الاتجاه المادي على المدارس والجامعات ، وطغيان المنهج التجريبي، وإقصاء العلوم العقلية الإلهية بالكلية، والتعامل معها على أنها تراث تاريخي لا ثمرة عملية من ورائه، والتركيز على الفلسفة الغربية المادية والتشكيكية.

2 ـ سيطرة الفكر الأصولي الفقهي على بعض المدارس العلمية، واعتمادها عمليا في استنباط المعارف العقائدية على نفس طريقة استنباط الأحكام الفقهية الفرعية، المعتمدة في أكثره على الطرق الظنية المعتبرة شرعا كخبر الواحد، في حين أن الأعلام يصرحون بعدم تمامية ذلك.

3 ـ سيطرة الاتجاه الكلامي والعرفاني المخالف للمنهج العقلي البرهاني على التفكير المعرفي والأبحاث العقائدية.

4 ـ تقديس الحكمة المتعالية بمنهجها التلفيقي الممزوج بالكلام والعرفان، واعتبارها ناسخة لما قبلها من الفلسفات العقلية المحضة، وأنها الطريق الوحيد للتكامل الإنساني، والممثل الرسمي والوحيد للإسلام الأصيل.

5 ـ حملات التشويه الشرسة على الفلسفة والعلوم العقلية، ومحاولة إقصائها بالكلية عن ساحة التعليم الديني، لاسيما في العالم العربي، ووصفها بأنها أجنبية وغريبة وواردة على الإسلام، وأنها مخالفة لظواهر الكتاب والسنة، وأنها قد جئ بها لهدم الإسلام، وأنها منهي عنها في الروايات، والإدعاء بوقوع الاختلافات الكثيرة بين الفلاسفة وتهافتهم، مما يسلب الاطمئنان إليهم أو التعويل عليهم.

6 ـ وجود سلسلة من الارتكازات الخاطئة في أذهان الكثير من المفكرين وطلاب العلوم، منها:

 I.  ـ إن التعمق في صناعة البرهان يؤدي إلى اعتماد الطالب عليه كطريق وحيد لليقين الحقيقي، مما يؤدى إلى هجران النصوص الدينية الظنية.

II.  ـ إن عقل الإنسان قاصر عن الوصول لحقائق الأشياء، والتي لا سبيل إليها إلا بالتأمل في النصوص الدينية أو المعرفة الشهودية العرفانية لعالم الغيب أو التجربة الحسية لعالم الشهادة.

III.  ـ إن العقائد الدينية الحقة أمر فطري، يمكن تعميقه بعلم الكلام والتعمق في الروايات، بعد نضوج العقل بالدراسات الفقهية الأصولية التقليدية.

IV.  ـ إن الهدف من الدراسة الحوزوية هو معرفة الأحكام الشرعية وطرق استنباطها، وبعض العقائد البسيطة،وهو لا يحتاج إلى التعمق في العلوم العقلية.

 V.  ـ إن تبليغ الدين للناس لايحتاج إلى تلك العلوم المعقدة، بل يكفي فيه الطرق الخطابية الاقناعية البسيطة.

VI.  ـ إن مدار الثواب والعقاب هو العقل العملي لا النظري، وتهذيب النفس وتزكيتها، وهذا لايحتاج أكثر من معرفة الأحكام الشرعية والعقائد البسيطة.

7ـ سعي الاتجاه التجديدي التغريبي ـ برفعه لشعار العقلانية الموهومة ـ إلى النقد الشامل للتراث الفكري الإسلامي الأصيل، و مواكبة العصر دون الرجوع إلى المعايير العقلية الأصيلة، فاتحا بذلك باب التهتك العلمي والفوضى المعرفية والمذهب الالتقاطي على مصراعيه، انطلاقا من ارتكاز خاطئ في ضرورة مخالفة الموروث القديم، وتبني الفكر المعاصر، مما أدى إلى تشويه سمعة المنهج العقلي لاسيما عند المتدينين وعلماء الدين، مع أنهم في الواقع لا ينتهجون قواعد المنهج العقلي لا من قريب ولا من بعيد، بل هم من أشد منتقديه.

8ـ ميل أصحاب الاختصاص في هذه العلوم إلى العزلة والانزواء، وعدم التصدي للأمور العامة كما كان عليه أسلافهم حيث كانوا مستشارين لقادة سياسيين ومتصدين للعمل الاجتماعي، مما يعطيهم منزلة مقبولة على كافة المستويات، ويكون لهم هيمنة على المراكز العلمية.

ثالثاً ـ على المستوى السياسي:

1 ـ سيطرة الأنظمة السياسية المستبدة الغاشمة والجاهلة على مر التاريخ على مقدرات الأمة الإسلامية بعد إقصاء القيادة السياسية الشرعية لأهل البيت (عليهم السلام)، ومحاربتها الدؤوبة للمعرفة والتعقل الصحيح، وترويجها للبدع والخرافات، ودعمها للمذاهب الفكرية المنحرفة، التي تؤمن مصالحها غير المشروعة، وتحط من قيمة الإنسان والإنسانية،كالمذهب السلفي الأخباري السطحي والمتحجر الذي يحارب العقل والمعرفة والاجتهاد، والمذهب الجبري الأشعري الذي يسلب أي دور للإرادة الإنسانية في الإصلاح والتغيير أو في تعيين مصير الإنسان ومستقبله في الحياة ،ويجعل كل شيء معلق على القضاء والقدر الحتمي، والاستسلام التام أمامه خيره وشره، وكالمذهب الصوفي الذي يُسقط المسؤولية الاجتماعية بالكامل عن كاهل الإنسان، ودوره في الخلافة الإلهية ويستبدله بدور العاشق المُهيًم، بل يتنكر لأصل وجوده في الكون، أو كالمذهب المادي العلماني في الوقت الحاضر، الذي ينفى أي قيمة للعقل البرهاني و يقصى الدين عن جميع مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، وينفى البعد الروحي والمعنوي للإنسان ،ويحصره في الشؤون الحيوانية المحضة.

2ـ انتصار المذهب الحسي المادي في الغرب وتحقيقه لإنجازات علمية باهرة على المستويين الصناعي والتقني، وطغيانه السياسي والاقتصادي على الأمة الإسلامية، وبالتالي هيمنة ثقافته الحسية المادية المنحطة ونفوذها في جميع طبقات المجتمعات الإسلامية.

3ـ وجود طابور خامس من المثقفين العرب والمسلمين، المنهزمين فكريا ونفسيا أمام الفكر الغربي المادي، الحاملين لثقافته والمروجين لها من على المنابر الإعلامية المختلفة.

 * رئيس أكاديمية الحكمة العقلية


  1. حمید - الثلاثاء, 9 يونيو 2015 في الساعة 1:07 ص

    قال الصادق عليه السلام: لايفلح من لا يعقل!

  2. أم خديجة - الخميس, 14 يناير 2016 في الساعة 4:13 ص

    شكرًا جزيلًا على البحث المهم


займ на картукредит онлайн