التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 29 أكتوبر, 2015
المشاهدات: 2٬376
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

الهاء الناس باللهو واللذات

الحاجة إلى اللهو واللذات

إن رغبة الناس باللذات واللهو واللعب والاحتفال والتباري والتنافس قد جعل اختراعهم لوسائلها المتنوعة جزءا من حياتهم الاجتماعية على مر التاريخ بحيث يلجؤون إليها ترويحا عن أنفسهم وإرضاء لشهواتهم ورغبتهم بالتفوق والتميز وتسلية لأرواحهم من عبئ الملل وهم الحياة.

إلا أن مزاولتهم لهذه الأمور بأنواعها وأشكالها لم تقتصر على مقدار الحاجة ولم تقف عند حد الترفيه والترويح عن النفوس، والتنافس العفوي البريء بل -وكما يقرئنا التاريخ ونشاهد في حاضرنا-تحولت المزاولة العرضية إلى غاية مستقلة، فاستغرق في مزاولتها واجتهد في اختراع أنواع وأساليب وطرق لها جلبا لمزيد من المتعة، إيجادا لفضاءات أوسع لنيل اللذة والشهرة والتميز وممارسة التنافس والتشجيع بحيث باتت أمورا تستهوي إلى حد الهوس نفوس كثيرين فيستغرقون في السعي نحو الملذات وممارسة مصادر المتعة ويستمتعون بمشاهدة المتبارين ويرتبطون بعواطفهم ومشاعرهم مع الفرق المتنافسة في المسابقات والألعاب المتنوعة ويحتفلون بالفوز ويحزنون للخسارة وصارت موردا لصرف الأموال والثروات الطائلة ووسيلة لتحصيل الأرباح وسببا للتحزب والتقاتل والتآزر  بحيث أصبحت غاية في نفسها تستحوذ على الاهتمام وتشغل جميع أو جل الأوقات.

ولعل عالمنا المعاصر قد بلغ في استغراقه واهتمامه باللذات واللهو واللعب حدا لم يسبق له في البشرية مثيل، نظرا للقدرة التقنية التي امتلكها الإنسان في القرن الأخير، والتي خولته الدعاية والترويج الباذخ والكاسح لجوالب اللذة والمتعة ووسائلهما، ومكنته من التنظيم الواسع والمتنوع للاحتفالات والمسابقات على مدار الأيام ومكنت من نيل الشهرة بأشكال ومجالات تكاد لا تحصر تنوعا. لقد تم ترسيخ ممارسة كل هذا بحيث أدى إلى أسر وعي الشباب في ممارستها أو ملاحقة أخبارها.

ومن الواضح والمشاهد أيضا أن الأثر المترتب على الاستغراق في مثل هذه الأمور الملهية هو إما في غيبوبة أصحابه عن المتابعة للواقع البشري خارج دائرة اهتمامهم وإما صيرورتهم مجرد مشاهدين بسطاء ومشاركين خجولين.

وليس جديدا القول بأننا وبحسب طبيعتنا البشرية نملك استعدادا قويا للتأثر بالملهيات والمتع واللذات ومن ثم الاستغراق فيها، وبناء عليه فمع هذا الكم الهائل من الملهيات والمغريات ومع هذا القدر الكبير من البذل المالي والتنظيم والإعلام والتحفيز والإغراء فإن مقدار الاهتمام الذي سيوليه الناس لعوالمهم الممتعة والملهية والمخترعة سيكون بالغ السعة وهذا ما سيكون على حساب اهتمامهم بتكاملهم الأخلاقي والمعرفي.

بل واستنادا إلى ذلك فقد نتساءل عن مدى قدرتهم على إيلاء الاهتمام لغير اللهو واللعب والمتعة والشهرة في ظل اكتساح وعيهم ونضجهم من خلال الترويج والتحفيز على الملهيات والمغريات، والواقع المشاهد ينبئنا عن ضآلة تلك القدرة وهزلها.

ومن جانب آخر سيحق لنا أن نتساءل إن كان من الممكن لمن وعى محنة الإنسانية المُرَّة، أن يكون منكبا ومنكفئا على أمور أقل أهمية وأدنى كمالا.

وإذا لم يكن الإنسان واعيا بمحنة الإنسانية فلماذا إذاً هذا التغييب العقلي والنفسي عن واقع الحياة والاستغراق في عوالم مصطنعة يروج لها ويركز عليها حد الإفراط الغريب وتلقى الإقبال بكثافة لا تنافس بأي مجال من المجالات الأخرى في الحياة.

تأثير الإلهاء في عملية السيطرة على الجمهور:

إن خصوبة كثير من النفوس البشرية للتأثر بعملية الإلهاء والإبعاد الهادئ عن ساحة المشاركة الفاعلة بالحياة الإنسانية قد جعلت من التحكم بهم والسيطرة عليهم أمرا بالغ اليسر، وذلك من خلال صناعة المساحات الضخمة للهو واللعب وتوفير الفرص الهائلة للنشاطات والطموحات المخدرة للرشد الإنساني والتي تعزل اهتمامه على جوانب ومنافع ضئيلة الكمال -على الأقل نسبيا-؛ وبالتالي ونتيجة لذلك تزاح وتقصى شريحة كبيرة من الناس عن سلم الرقي الإنساني بأنفسهم والمشاركة الفاعلة في التكامل، ويقتصر اهتمامهم على اللعب والتنافس والمتعة فيكون حالهم كحال الأطفال الذين لا يرون من عالمهم إلا ذلك، وبالتالي يقي المتحكمون في مصير البشرية أنفسهم عناء تدخلهم ومواجهتهم ومحاسبتهم لهم.

وقد أصبح واضحا أن كلامنا ليس عن أصل الحاجة للهو واللعب وتحصيل اللذات وأنواع المتعة فإنه من البين أن النفوس البشرية تمل وتسأم وتتعب من جهة وتجد أمورا كثيرة ملذة وممتعة من جهة أخرى ويدخل الاحتياج إليها في الجملة تحت دائرة الحاجات الضرورية وتختلف درجة الحاجة باختلاف النمو الذي يتدرج فيه الإنسان ولذلك فلا ريب في الحاجة إلى هذا نوع من الترفيه واللهو وإلى الإحساس باللذة والمتعة ولكن الكلام يقع في موجب الاستغراق في طلبها بحيث تصير هدفا بحد ذاتها أو أمرا راجحا على كل ما عداه ولذلك لا بد لنا من أن ننظر في السبب الذي يؤدي إلى هذا الأمر مما يجعل عملية التحكم بالناس من خلال إلهائهم سهلة يسيرة.

دور المعرفة في رقي وضآلة الطموحات والغايات

يمكننا البدء في تأمل هذا الأمر بالالتفات إلى مبدأ الإرادة والعمل في النفس الإنسانيَّة، حيث سنجد أن الإدراك يقف في أول سلسلة الأسباب التي تشكل طبيعة العمل ومتعلق الإرادة، وهذا الإدراك حينما يتعلق بأشياء على أنها كمالات سواء كانت منافع أو ملذات فإنه يصير مبدأ لنشوء شعور وانفعال تجاه ما أدرك أنه كمال ما، وبعد أن ينشأ الانفعال ولا يحدث في النفس تنازع بمشاعر فحينئذ فإن الإرادة تصير فعلية ويترتب عليها القيام بالسلوك المناسب والمؤدي إلى تحصيل الغرض.

وإذا كانت المعرفة تقف في رأس السلسة: فإنه كلما كان الإدراك لكمال ما أسهل وأسرع، كلما كانت الأفعال التي تحصله هي الأفعال التي نطمح إليها ونتعرف عليها بشكل أسرع. وأبرز مثال على ذلك حاجاتنا إلى الطعام والشراب واللعب واللهو منذ أن نكون أطفالا.

ومع اقتصار الإدراك على نوع معين من الكمالات، وانحصار المعرفة بصنف خاص من اللذات والمنافع، فإن السلوك سيكون منحصرا في دائرة محدودة ومجال خاص. وكلما توسعت دائرة المعرفة لتشمل الاطلاع والوعي بأنواع كمالات مختلفة وأصناف لذات متعددة فإن شمولية السلوك لتحقيق كمالات متنوعة والقدرة على التشخيص للأهم كمالا والأرجح اختيارا ستكون أغنى وأكبر.

إن سعة الإدراك والمعرفة لأنواع الكمالات تتوقف على سعة المعرفة والإدراك بالحاجات الإنسانيَّة، والتي هي بدورها تستند إلى سعة المعرفة بالخصائص التي يمتلكها الإنسان، والقدرات التي يحوزها، والأهلية التي يتمتع بها، والعلاقات التي تربطه بما حوله، وبالتالي كلما ضاقت دائرة المعرفة بطبيعة الذات الإنسانية والحياة البشرية وأنحاء العلاقات التي تربطه بما حولها فإن دائرة المعرفة بالحاجات ستصير أضيق، وبالتالي ستصير دائرة الوعي بالكمالات أضيق هي الأخرى، مما سيترتب عليه محدودية الغايات التي تتوخى من السلوك الإرادي للإنسان.

ثم إنه مما لا يرتاب به هو أن المتع الحسية واللذات البدنية وجملة من المشاعر كالملل والأنس… وجملة من الرغبات كالشهرة والتميز …. لهي من الأمور البينة لنا، نعرفها ونجدها واضحة في نفوسنا.

ولذلك فإن أول ما يتوخى سلوكنا فيما يتوخاه لهو الغايات التي تناسب هذه الأمور الواضحة الإدراك والبينة الوجدان، وعليه فما لم يتعرف الإنسان على حاجات أخرى وكمالات زائدة فلن تنشأ مشاعر وانفعالات ورغبات زائدة، وبالتالي سيقتصر سلوك الإنسان على ما يكون عليه سلوك الطفل في السعي إلى اللذات الحسية وإرضاء المشاعر التلقائيَّة.

من الواضح أن الجهل وعدم المعرفة تقف حاجزا أوليا في سبيل توسيع دائرة غايات السلوك الإنساني لتشمل الكمالات العلمية والأخلاقية والمساهمة في تعميم النفع والكمالات لمجمل المشاركين في الحياة الإنسانية. كما أن تغذية وترويج الكمالات الحسية والأنانية واللهو واللذة على أشكالها المتقدم ذكرها سيكون موجبا لتأجيج المشاعر المناسبة لها وصرف الهم والدافع عن التطلع إلى كمالات أخرى وعن الاعتناء باستكشاف مجالات أخرى من التكامل الإنساني.

العاملان اللذان يقفان وراء الإلهاء والالتهاء

بناء على ما تقدم، فإننا نجد أن عاملين اثنين هما اللذان يلعبان دورا أساسيا في إلهاء الناس وفي غفلتهم وانكفائهم على طلب الملهيات، فلا يتكاملون في جوانبهم الإنسانية الأخرى، ولا يشاركون عالمهم تكامله ولا يساعدون في رقيه ونموه.

وهذان العاملان هما:

-الجهل بسعة الكمالات الإنسانية وتنوعها.

-الترويج لنمط معين من الكمالات والتحفيز عليه.

والأول يشكل انعدام مقتضي اتساع رقعة التكامل بينما يشكل الثاني وجدان المانع عن تحصيل المقتضي أو حصول المانع عن تفعيله وهذا ما يبرز عدم كفاية رفع الجهل من خلال التعليم بل يحتاج إلى إيجاد وسيلة تخول الناس لمواجهة الترويج والتأثير عليهم بحيث تملكهم الحصانة تجاه الانجرار وراء التلويح بالملذات والرغبات البدائية.

سبيل مواجهة عملية الإلهاء

بعد كل ما تقدم نجد أنفسنا ملزمين بالبحث عن سبيل لتحصيل الحصانة لأنفسنا في مواجهة عملية الإلهاء، حتى لا ننجر وننساق بتلقائية وغفلة أمام الترويج لأدوات اللهو واللعب وأنواع الملذات ووسائلها فنستغرق فيها ونغفل عن أن نسعى للتكامل المعرفي والأخلاقي، ونعرض عن المشاركة في تكامل الإنسانية. وقد أصبح واضحا أن سبيل تحصيل تلك الحصانة إنما يكمن:

أولا في تحصيل اليقظة العقلية.

ثم ثانيا، في تعلم كيفية التعقل والتعرف على كمالاتنا الإنسانية الحقيقة.

ثم ثالثا في ممارسة التروي العقلي والفحص لأحكامنا واختياراتنا فلا نترك عنان انفعالنا واشتهائنا ونفورنا يقودنا بل نعرف كيف نحكم ونختار ونوطن أنفسنا على متابعة تعقلنا لأن تكاملنا الإنساني متوقف عليه.

ثم إنه يلزمنا أمر آخر نقوم به في مواجهة الترويج الباذخ لوسائل اللهو واللعب وذلك بإيجاد نحو آخر من الترويج يعتني بنشر المعرفة بالكمالات الحقيقة وبيان مخاطر الغفلة عنها وكيفية استغلال المروجين للعب واللهو لذلك في تحكمهم بنا وصرفنا عن القيام بما يليق بنا كبني الإنسان أن نقوم به.


  1. مهدی - الأحد, 10 أبريل 2016 في الساعة 9:12 ص

    السلام علیکم
    مقالة لطیفة فقط کلما تکون المقالة مختصرة تکون أفضل

  2. سليمة - الأربعاء, 22 يونيو 2016 في الساعة 9:16 م

    شكرًا جزيلًا على المقالة الرائعة

  3. محمد ناصر - الخميس, 23 يونيو 2016 في الساعة 2:20 ص

    اهلا وسهلا بكم وشكرا على مروركم